محتويات المقال
لعقود من الزمن، أجبر مبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ علماء الفيزياء الكمومية على قبول تسوية صارمة: قياس خاصية واحدة بدقة مطلقة يعني فقدان القدرة على تتبع خاصية أخرى. والآن، حطم باحثون في جامعة أكسفورد هذه القيود السابقة من خلال إثبات تفاعل الضغط الرباعي (Quadsqueezing)، وهو تفاعل كمومي من الدرجة الرابعة يعيد تشكيل حالة عدم اليقين هذه بسرعات غير مسبوقة.
يقدم هذا الاختراق، الذي نُشر في دورية Nature Physics، منهجية جديدة كلياً لهندسة التفاعلات المعقدة في المتذبذبات التوافقية الكمومية (Quantum harmonic oscillators). وتُعد هذه المتذبذبات أنظمة أساسية تُستخدم لنمذجة كل شيء، بدءاً من موجات الضوء وصولاً إلى الاهتزازات الجزيئية. وفي حين تُستخدم تقنية الضغط القياسية من الدرجة الثانية بالفعل في تقنيات ضخمة مثل مرصد LIGO لاكتشاف موجات الجاذبية، ظلت التفاعلات من الدرجات الأعلى مجرد نظريات. وحتى وقت قريب، كانت التفاعلات من الدرجة الثالثة والدرجة الرابعة تُعتبر ضعيفة للغاية وعرضة للتشويش البيئي.
كيف تعمل التفاعلات المعتمدة على الدوران
تجاوز فريق أكسفورد، بقيادة الدكتورة أوانا بازافان والدكتور راغافيندرا سرينيفاس، القيود التقليدية للتحكم الكمومي من خلال استخدام نظام هجين يجمع بين المتذبذبات والدوران. وبدلاً من محاولة تحفيز تفاعل ضعيف من درجة أعلى بشكل مباشر، قام الباحثون باحتجاز أيون واحد من نوع 88Sr+ وتطبيق قوتين غير تبادليتين تعتمدان على الدوران (SDFs). وقد أسفر هذا النهج المبتكر عن عدة مزايا حاسمة:
- اللاتبادلية (Non-Commutativity): من خلال دمج قوتين خطيتين تؤثران بشكل مباشر على أفعال بعضهما البعض، نجح الفريق في توليد تفاعل جديد أقوى بكثير من مجموع أجزائه الفردية.
- سرعة غير مسبوقة: تم توليد تفاعل الضغط الرباعي من الدرجة الرابعة بسرعة تفوق الأساليب التقليدية السابقة بمقدار 100 ضعف.
- مرونة الأجهزة: يمكن للباحثين الآن التبديل بسلاسة بين الضغط القياسي، والضغط الثلاثي، والضغط الرباعي على نفس الأجهزة بالضبط، وذلك بمجرد تعديل ترددات ومراحل القوى التي يحركها الليزر.
التحقق من البصمة الكمومية
لإثبات نجاح تجربتهم، قام الباحثون بإعادة بناء دوال ويغنر (Wigner functions)، والتي توفر تمثيلاً مرئياً للحالة الكمومية في فضاء الطور. وكشفت القياسات الناتجة عن أشكال مميزة للغاية وغير غاوسية (Non-Gaussian) تعمل بمثابة بصمة نهائية للضغط من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة. ولا تُعد هذه الحالات غير الغاوسية من الدرجات العليا مجرد فضول أكاديمي؛ بل هي موارد أساسية للحوسبة الكمومية ذات المتغيرات المستمرة.
ومن خلال رسم خرائط هذه الحالات بنجاح، أثبت الفريق أن طريقتهم يمكن أن تنتج بشكل موثوق الموارد غير الغاوسية المطلوبة للشمولية الحسابية. ويوفر هذا الإطار اللازم لعمليات تصحيح الأخطاء (Error correction) القوية، وهي عقبة حاسمة في تطوير أنظمة كمومية مستقرة.
الطريق نحو حوسبة كمومية قابلة للتطوير
يمثل العرض الناجح لتقنية الضغط الرباعي انتقالاً محورياً من الفيزياء النظرية إلى الهندسة الكمومية العملية. ونظراً لأن هذه الطريقة المعتمدة على الدوران لا تقتصر على منصة معينة، فهي ليست محصورة في الأيونات المحتجزة. بل يمكن تطبيقها مباشرة على البنى الكمومية الرائدة الأخرى، بما في ذلك الدوائر فائقة التوصيل (Superconducting circuits) ومراكز الألوان في الألماس.
ومن خلال توليد هذه التفاعلات المعقدة بسرعة تفوق الأساليب السابقة بمقدار 100 ضعف، نجح فريق أكسفورد فعلياً في حل إحدى أكبر العقبات التي تواجه تصحيح الأخطاء الكمومية. والمضي قدماً، ستعزز هذه القدرة بشكل كبير من الاستشعار الكمومي ليتجاوز حدود الضغط الغاوسي القياسي. والأهم من ذلك، أنها تضع الأساس لتنفيذ مجموعة بوابات شاملة، مما يقرّب الصناعة خطوة هائلة نحو بناء أجهزة كمبيوتر كمومية قوية وقابلة للتطوير التجاري.