لمنع الانهيارات الحضرية الكارثية، تبني شركة Run With It Synthetics توائم رقمية (Digital Twins) فائقة الدقة لمدن بأكملها بهدف محاكاة الكوارث قبل أن يتعرض أي إنسان للخطر. ومع تسارع وتيرة التغير المناخي وهشاشة البنية التحتية، يواجه المخططون الحضريون وشركات المرافق والجهات الحكومية أزمات غير مسبوقة دون رؤية واضحة. وتقدم هذه الشركة التقنية، ومقرها مقاطعة ألبرتا، حلاً حاسماً: استخدام الذكاء الاصطناعي المتقدم لنمذجة سيناريوهات مستقبلية محتملة تشمل الاستجابة للكوارث، والمرونة المناخية، والصحة العامة.
ويشهد الطلب على هذا المستوى من التحليل التنبؤي ارتفاعاً هائلاً. وبحسب تقرير صدر في يونيو 2026 عن مؤسسة Grand View Research، بلغ حجم السوق العالمي للتنبؤ الاستراتيجي 49.5 مليار دولار، ومن المتوقع أن ينفجر ليصل إلى 328.5 مليار دولار بحلول عام 2033. ويُعزى هذا النمو إلى تزايد الطلب من قطاعات واسعة، بدءاً من الطاقة وحتى الرعاية الصحية، والتي تسعى جاهدة لحماية أنظمتها المستقبلية ضد متغيرات لم يسبق لها مثيل في التاريخ.
منصة HoloDeck: بناء عوالم اصطناعية متكاملة
يعتمد جوهر القدرة التنبؤية للشركة على منصتها الحصرية HoloDeck. يدمج هذا النظام بين الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) ووكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents) مع خريطة سداسية الأبعاد تعتمد على نظم المعلومات الجغرافية. ويتيح ذلك للشركة استنساخ البنية التحتية الواقعية بدقة متناهية، وصولاً إلى إنشاء "أشخاص" افتراضيين يمثلون التركيبة السكانية الحقيقية، ومزودين بأنماط سلوكية ونفسية واستعدادات صحية دقيقة.
وقد برزت قدرات المنصة بشكل لافت خلال عرض تقديمي في عام 2019، حيث حاكت الشركة زلزالاً بقوة 6.7 درجة يضرب مدينة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا. وقد عُرضت المحاكاة على شاشة عملاقة بطول 180 قدماً، لتُظهر تمزق خطوط الغاز وتطاير الشرارات التي أشعلت الحرائق في مدينة يقطنها 100 ألف مواطن افتراضي يعملون بالذكاء الاصطناعي. ورغم أن السيناريو كان افتراضياً، إلا أن النتائج المستندة إلى البيانات قدمت رؤى حقيقية وقابلة للتنفيذ لفرق الاستجابة للطوارئ.
وعقب هذا الظهور البارز، تواصل معهد أبحاث الطاقة الكهربائية (EPRI) مع الشركة لتنفيذ سيناريو "السماء السوداء"، والذي يحاكي انقطاعاً إقليمياً طويلاً لشبكة الطاقة في مدينة فينيكس بولاية أريزونا خلال موجة حر صيفية. ومع ذلك، أجبر الظهور المفاجئ للجائحة العالمية فريق العمل على إجراء تحول جذري في معايير المحاكاة.
كان علينا أن نتحول إلى علماء أوبئة؛ توجب علينا استخدام بيانات فيروس كورونا وترجمتها وتطبيقها على هذه المجموعات السكانية الاصطناعية.
- ميرنا بيتنر، شركة Run With It Synthetics
وأوضحت المؤسسة المشاركة ميرنا بيتنر قائلة: "فجأة، تغير سلوك استهلاك الطاقة بطريقة لم نشهدها من قبل، وفي ليلة وضحاها". ومن خلال دمج بيانات المستهلكين من منظمة Smart Energy Consumer Collaborative، تمكنت المنصة من تحديد التوقيت الدقيق الذي ستبدأ فيه ثقة الجمهور في مزودي المرافق بالانهيار، ومتى ستنخفض مستويات سعادة الأسر المعيشية خلال فترات الإغلاق وانقطاع التيار الكهربائي.
من تفويت طفرة المحادثات إلى الريادة في التنبؤ العالمي
تعود جذور التكنولوجيا التي تشغل هذه المحاكاة الضخمة إلى تسعينيات القرن الماضي. فقبل عقود من هيمنة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على المشهد التقني، كان الزوجان ميرنا ودين بيتنر يمولان شركتهما الناشئة Bittco Solutions، والتي طورت برمجيات تعاونية مبكرة تُدعى Co-motion. ورغم اعترافهما بتفويت "طفرة المحادثات" بسبب تقليلهما من أهمية ميزة المراسلة الخاصة بهما، إلا أن عملهما لفت انتباه المهندس الأسترالي جراهام داوسون.
وقد موّل داوسون تحولهما لتأسيس كيان جديد باسم NeuralVR Technologies، وكلفهما بإنشاء بيئات ذكاء اصطناعي للأنظمة المعقدة التي قد يؤدي فشلها في الواقع إلى كوارث. ونظراً لمحدودية قدرات الحوسبة في ذلك الوقت، طور الفريق شبكات عصبية عالية الكفاءة وتقنيات تصوير ثلاثي الأبعاد تتطلب الحد الأدنى من الأجهزة، وهي الملكية الفكرية التي شكلت لاحقاً العمود الفقري لشركة Run With It Synthetics عند إطلاقها رسمياً في عام 2014.
التوسع خارج نطاق الكوارث: الصحة والمناخ
واليوم، وسعت الشركة التي تضم 30 موظفاً نطاق عملها ليتجاوز الزلازل وانقطاع الكهرباء. وتشمل مشاريعها الأخيرة نمذجة طرق الإخلاء من حرائق الغابات في مقاطعة ألبرتا، وقياس الآثار الصحية لتوسيع خدمات الرعاية الصحية عن بُعد في المجتمعات الريفية، وتوقع احتياجات مدينة كالغاري من الطاقة حتى عام 2050. بل ووصل الأمر بالفريق إلى تصميم توائم رقمية لكندا وكوكب الأرض بأكمله.
وقد أدى هذا الزخم إلى إبرام شراكات جديدة ومهمة. ففي الشهر الماضي، تعاونت الشركة مع مختبر FamilyPsycle التابع لجامعة واترلو لإطلاق مركز التكنولوجيا المستقبلية الذكية (SWIFT)، بهدف تطبيق النمذجة التنبؤية على الصحة العقلية ورفاهية السكان. بالإضافة إلى ذلك، تم اختيار الشركة مؤخراً كواحدة من تسع شركات ناشئة ضمن مسرعة الأعمال MaRS Adaptech لدفعة 2026-2027، مع تركيز مكثف على تعزيز المرونة في مواجهة التغير المناخي.
الجغرافيا السياسية للذكاء الاصطناعي التنبؤي
على الرغم من جذبها لعملاء أمريكيين بارزين مثل وكالة NASA، ووكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (FEMA)، ووزارة الأمن الداخلي، اتخذت الشركة مؤخراً قراراً استراتيجياً بالانسحاب من عقود الدفاع الأمريكية. وأشار دين بيتنر إلى أن "هناك شعوراً بوجود مخاطر"، مسلطاً الضوء على التهديد المتمثل في تعطل الأعمال المفاجئ في ظل التحولات الدراماتيكية وغير المتوقعة التي تشهدها الوكالات الفيدرالية الأمريكية.
ويُبرز هذا الانسحاب الاستراتيجي توجهاً متنامياً في قطاع التكنولوجيا في أمريكا الشمالية: القيمة المتصاعدة للسيادة التقنية المحلية. فمن خلال الابتعاد عن قطاع الدفاع الأمريكي المتقلب، تحمي الشركة نفسها من التقلبات الجيوسياسية، وتضع ذكاءها الاصطناعي كأداة أساسية لبناء القدرات الوطنية الكندية. وأكدت ميرنا بيتنر على هذا التوجه المحلي، مشيرة إلى أن "الدفاع لا يقتصر على المعدات فحسب؛ بل يتعلق بالأشخاص، والبنية التحتية، والمجتمعات، والقدرة الاقتصادية".
وفي عصر يمكن فيه لدورة انتخابية واحدة أن تمحو مليارات الدولارات من العقود الفيدرالية المتعلقة بالمناخ، فإن الاعتماد على شراكات محلية مستقرة لم يعد مجرد موقف أخلاقي، بل استراتيجية فعالة للغاية لتخفيف المخاطر. ومع تسارع نمو سوق التنبؤ الاستراتيجي نحو 328 مليار دولار، فإن الشركات التي تعطي الأولوية للحوكمة المستقرة والنشر الأخلاقي للتقنية ستتفوق على الأرجح على تلك التي تلهث وراء أموال الدفاع المتقلبة.