يتجه جزء مهمل من المرحلة العلوية لصاروخ SpaceX Falcon 9 نحو مسار تصادمي مع القمر، حيث يندفع نحو السطح القمري بسرعة تعادل سبعة أضعاف سرعة الصوت. ومن المتوقع أن يصطدم هذا المعزز الصاروخي، الذي يوازي حجمه مبنى من خمسة طوابق، بالسطح في 5 أغسطس 2026 في تمام الساعة 06:44 بالتوقيت العالمي المنسق (UTC). وسيقع الاصطدام بالقرب من فوهة أينشتاين (Einstein crater)، وهي منطقة مليئة بالفوهات تقع على الحدود بين الجانب القريب والجانب البعيد للقمر.
يسلط هذا الاصطدام الوشيك الضوء على صعوبة التنبؤ بمسارات الحطام الفضائي في الفضاء السحيق. وبحسب بيل غراي، عالم الفلك المستقل ومطور برنامج التتبع Project Pluto، فإن مسار الجسم يتأثر بشكل نشط ببيئته المحيطة. ورغم أن جاذبية الأرض والقمر والشمس يمكن حسابها بدقة فائقة، إلا أن المرحلة الصاروخية المتقلبة تتعرض أيضاً لضغط الإشعاع الشمسي. وتتراكم هذه القوة الطفيفة والمستمرة الناتجة عن ضوء الشمس بشكل غير متوقع بمرور الوقت، مما يغير مسار الجسم أثناء دورانه وعكسه لكميات متفاوتة من الضوء.
تعود أصول هذا الحطام المتجه نحو القمر إلى مهمة 2025-010D لصاروخ SpaceX Falcon 9، والتي أُطلقت في يناير 2025. ورغم أن صاروخ Falcon 9 قابل لإعادة الاستخدام جزئياً - حيث تعود مرحلته الأولى الضخمة إلى الأرض - إلا أن المرحلة الثانية تبقى في المدار. وقد حملت هذه الرحلة تحديداً مركبتي هبوط على سطح القمر: مهمة Blue Ghost 1 ومهمة Hakuto-R 2. وعلى عكس العديد من المراحل الثانية السابقة التي احترقت في الغلاف الجوي للأرض أو دخلت في مدار مستقر حول الشمس، تُركت هذه المرحلة في مدار محلي شديد الاستطالة.
تتبع مسار مهمة 2025-010D
تشبه الميكانيكا المدارية التي تقود هذا الاصطدام فخاً كونياً بطيء الحركة. تستغرق المرحلة الثانية حالياً حوالي 26 يوماً لإكمال دورة واحدة حول الأرض. وفي نقطة الحضيض (أقرب اقتراب لها)، تمر على مسافة 220,000 كيلومتر من كوكبنا. أما في نقطة الأوج (أبعد نقطة لها)، فتندفع إلى حوالي 510,000 كيلومتر، لتتقاطع مباشرة مع المسار الجاذبي للقمر، والذي يقع على مسافة متوسطة تبلغ 400,000 كيلومتر.
وأوضح غراي قائلاً: "يتقاطع مدار القمر ومدار هذا الجسم بشكل تقريبي. وعادةً ما يمر أحدهما عبر نقطة التقاطع بينما يكون الآخر في مكان مختلف". ومع ذلك، في 5 أغسطس، ستجبر الجاذبية كلا الجسمين على الوصول إلى نقطة التقاطع تلك في نفس اللحظة.
ليست هذه المرة الأولى التي تضرب فيها معدات بشرية سطح القمر. ففي السبعينيات، تعمدت وكالة NASA تحطيم وحدات من مركبات Apollo لدراسة تكوين القمر عبر القراءات الزلزالية. وفي عام 2009، حطمت الوكالة مسبار LCROSS داخل فوهة مظلمة بشكل دائم، مما أدى إلى إثارة غبار ظل خامداً طوال مليارات السنين لتأكيد وجود الجليد المائي. ومؤخراً، اصطدم معزز يُعتقد أنه تابع لمهمة Chang'e 5-T1 بالجانب البعيد للقمر في عام 2022، تاركاً تشكيلاً مميزاً لفوهة مزدوجة.
إن أبسط طريقة لتجنب هذه الاصطدامات القمرية قد تكون وضع المراحل العلوية في مدارات تغادر الأرض والقمر، لتستقر في مدار حول الشمس، بحيث لا تصطدم بنا لفترة طويلة.
- بيل غراي، Project Pluto
الخطر الخفي للتوسع القمري
رغم أن هذا الاصطدام الخاص بصاروخ SpaceX Falcon 9 لا يشكل أي خطر فوري على حياة البشر، إلا أنه بمثابة جرس إنذار صارخ للعقد القادم من استكشاف الفضاء. يُعد القمر حالياً أرضاً قاحلة لا تستضيف سوى الخردة التكنولوجية، وكرات الجولف، ومخلفات رواد الفضاء. ومع ذلك، فإن هذا الوضع الراهن على وشك أن يتغير جذرياً. حيث تهدف مهمة Artemis IV التابعة لوكالة NASA إلى إرسال بشر إلى القمر في عام 2028، تليها مهمة صينية مأهولة مستهدفة في عام 2030.
إن حقيقة أن مرحلة علوية لصاروخ من فئة 550,000 كيلوغرام يمكن أن تتقلب في الفضاء القمري لأكثر من عام، خاضعة للأهواء غير المتوقعة لضغط الإشعاع الشمسي، تكشف عن فراغ تنظيمي خطير. نحن نتعامل مع الفضاء الواقع بين الأرض والقمر كمكب نفايات بلا قوانين. وإذا لم تفرض وكالات الفضاء والشركات الخاصة مثل شركة SpaceX بروتوكولات صارمة للتخلص من النفايات في الفضاء السحيق - مثل دفع المراحل المستهلكة إلى مدارات حول الشمس - فإن هذه التجارب الباليستية "غير الضارة" ستتحول قريباً إلى تهديدات قاتلة للموائل القمرية التي تبلغ تكلفتها مليارات الدولارات ولرواد الفضاء الذين يعيشون بداخلها.