نجح علماء الفيزياء في استخدام المحاكيات الكمومية (Quantum simulators) المتقدمة للتحقق تجريبياً من إطار رياضي يعود تاريخه إلى 40 عاماً يُعرف باسم نظرية المجال الامتثالي (Conformal field theory). ومن خلال معالجة سلاسل من ذرات السترونتيوم، تمكن الباحثون من القياس المباشر لمستويات الطاقة الدقيقة للمادة الكمومية الاصطناعية عند النقطة الحرجة للتحول الطوري، مما يثبت تنبؤات استمرت لعقود حول السلوك الكمومي الشامل.
في اللحظة الدقيقة التي تتغير فيها حالة المادة - مثل غليان الماء أو فقدان المغناطيس لجاذبيته - تبدأ مواد مختلفة تماماً في اتباع قواعد رياضية متطابقة. يُطلق الفيزيائيون على هذه الظاهرة اسم "الشمولية" (Universality)، حيث تتلاشى التفاصيل المجهرية الفوضوية ولا يتبقى سوى السمات الأساسية. وطوال نحو 40 عاماً، اعتمد العلماء على نظرية المجال الامتثالي للتنبؤ بالنسب الدقيقة التي تفصل بين مستويات الطاقة أثناء هذه التحولات، لكن لم يسبق قياس هذه المسافات تجريبياً حتى الآن.
وفي إنجاز علمي نُشر في دورية Nature، قام باحثون من معهد Caltech، وجامعة Université Paris-Saclay، وجامعة ميونخ التقنية ببناء نظام كمومي متخصص لاختبار هذه النظريات. استخدم الفريق تقنية طُورت في الأصل للحوسبة الكمومية، وتحديداً مصفوفات من الذرات المحايدة التي يتم تثبيتها في مكانها بواسطة أشعة ليزر تُعرف باسم الملاقط البصرية (Optical tweezers). وقد نجح نظام مشابه في مختبر Caltech مؤخراً في احتجاز 6,100 ذرة داخل مصفوفة واحدة.
بدأت التجربة بترتيب ما يصل إلى 35 ذرة سترونتيوم في خط مستقيم، مع استخدام أشعة ليزر إضافية لدفعها نحو حالات ريدبيرغ (Rydberg states) عالية الطاقة. أدى ذلك إلى تفاعل الذرات المتجاورة بقوة، مما جعل السلسلة بأكملها تتصرف ككيان جماعي. بعد ذلك، قام الباحثون بضبط أشعة الليزر حتى وصل النظام إلى النقطة الحرجة التي تنبأت بها نظريات المجال الامتثالي بنموذج Ising ونموذج Ising ثلاثي الحرج - وهي نماذج تصف السلوك الشامل عندما يصل النظام الكمومي إلى نقطة حرجة بالقرب من الصفر المطلق.
ولقياس مستويات الطاقة، طوّر الفريق تقنية تُسمى التحليل الطيفي لتضمين الأجسام المتعددة (Many-body modulation spectroscopy). ومن خلال تحفيز السلسلة الذرية بلطف باستخدام ترددات ليزر متغيرة وتسجيل استجابات الذرات، تمكنوا من إعادة بناء سلم الطاقة. تشبه هذه العملية تمرير إصبع مبلل على حافة كأس زجاجي، والذي يُصدر رنيناً فقط عند التردد الصحيح.
وأوضح الباحث شيانغكاي سون، المؤلف المشارك في الدراسة: "لقد كررنا التجربة على سلاسل تصل إلى 35 ذرة، وجاءت درجات السلم متطابقة مع تنبؤات نظرية المجال الامتثالي بنموذج Ising: حيث انهارت الأطياف لتشكل منحنياً عالمياً واحداً بمجرد إعادة قياسها لتناسب الحجم". ومن خلال فرز الإثارات بناءً على تماثلها، كشف الفريق أيضاً عن عائلة ثانية من مستويات الطاقة المخفية، مما يعزز من صحة نظرية Ising ثلاثية الحرج.
الخطوة التالية هي توجيه هذه التقنية نحو أنظمة لا يعرف أحد استجابتها الكمية مسبقاً - بما في ذلك النطاقات التي تعجز الحواسيب الكلاسيكية عن الوصول إليها.
- مانويل إندريس، معهد Caltech
تتوفر النتائج الكاملة والمنهجية المتبعة في المنشور الرسمي عبر الرابط DOI: 10.1038/s41586-026-10904-x.
تجاوز البعد الواحد: قفزة كمومية نحو فيزياء مجهولة
يمثل هذا الاختبار تحولاً جذرياً في كيفية استخدامنا للتكنولوجيا الكمومية. فعلى مدى العقد الماضي، كان يُنظر إلى المحاكيات الكمومية إلى حد كبير على أنها مجرد خطوات تمهيدية نحو بناء حواسيب كمومية كاملة ومقاومة للأخطاء. ومع ذلك، تثبت دراسة معهد Caltech أن هذه المحاكيات قد نضجت بالفعل بما يكفي لتعمل كمحركات اكتشاف في مجال الفيزياء الأساسية، قادرة على اختبار أطر رياضية ظلت نظرية بحتة منذ ثمانينيات القرن الماضي.
تكمن الأهمية الحقيقية في الهدف التالي للفريق: التوسع من السلاسل أحادية البعد إلى الشبكات ثنائية الأبعاد. في البعد الأحادي، كان الفيزيائيون يعرفون مسبقاً الإجابات التي ستقدمها نظرية المجال الامتثالي، مما سمح لهم بمعايرة المحاكي والتحقق من دقته. أما في البعد الثنائي، فإن المعادلات الرياضية تنهار، وتفتقر الحواسيب العملاقة الكلاسيكية إلى قوة المعالجة اللازمة لمحاكاة تلك الحالات الكمومية.
ومن خلال توجيه مصفوفات الملاقط البصرية نحو الأنظمة ثنائية الأبعاد، سينتقل الباحثون من مرحلة التحقق من الرياضيات القديمة إلى اكتشاف فيزياء جديدة كلياً. قد يؤدي هذا إلى تسريع اكتشاف حالات غير مألوفة للمادة، مما يفتح الباب أمام تطوير مواد جديدة للموصلات الفائقة أو المستشعرات المتقدمة التي يستحيل حالياً نمذجتها باستخدام أجهزة السيليكون التقليدية.