تمكن باحثون من حل معضلة فيزيائية كان يُعتقد سابقاً أنها تتطلب حاسوباً كمياً عملاقاً، وذلك باستخدام حاسوب محمول عادي. نجح فريق من معهد Flatiron Institute وجامعة Boston University في محاكاة نظام كمي شديد التعقيد بالاعتماد على هياكل رياضية تُعرف باسم شبكات الموتّرات (Tensor networks). ويتحدى هذا الإنجاز بشكل مباشر الادعاءات الأخيرة بأن بعض الديناميكيات الكمية تقع تماماً خارج نطاق قدرات الحوسبة الكلاسيكية.
يُعد هذا التطور بالغ الأهمية لعلماء الفيزياء الكمية، ومهندسي البرمجيات، وعلماء المواد. فهو يثبت أن معمارية الحوسبة الكلاسيكية لا تزال قادرة على حل مشكلات التحسين المعقدة، مما يقلل بشكل كبير من عوائق الدخول إلى أبحاث الديناميكا الكمية دون الحاجة إلى أجهزة كمية تكلف ملايين الدولارات.
في مارس 2025، نشرت مجموعة من الباحثين ورقة علمية في مجلة Science، زعموا فيها أنهم تمكنوا من حساب سلوك نظام معقد يضم مئات الكيوبتات المتفاعلة. وأكدوا حينها أن الحواسيب الكلاسيكية لا يمكنها تكرار هذه النتيجة بسبب النمو المتسارع للدالة الموجية الناتج عن التشابك الكمي. وفي هذا الصدد، قال الباحث Joseph Tindall من معهد Flatiron Institute: "كلما رأينا مثل هذه الادعاءات، نشعر دائماً ببعض الشك، ونتساءل عما إذا كانوا قد جربوا طرقاً بديلة".
ضغط الدالة الموجية باستخدام مكتبة ITensor
تتمثل العقبة الرئيسية في محاكاة الأنظمة الكمية في التشابك الكمي، الذي يربط الكيوبتات ببعضها البعض بغض النظر عن المسافة بينها. ومع تفاعل المزيد من الجسيمات، تنمو الدالة الموجية التي تصف النظام بشكل أُسي، مما يجعل من المستحيل تخزينها مباشرة في ذاكرة الحاسوب التقليدي. ولتجاوز هذه القيود العتادية، لجأ فريق البحث إلى شبكات الموتّرات ثلاثية الأبعاد.
إنها بمثابة ملف مضغوط للدالة الموجية، حيث تأخذ كل هذه المعلومات وتضغطها في هيكل بيانات رياضي مليء بجداول صغيرة من الأرقام المترابطة مع بعضها البعض.
- الباحث Joseph Tindall، معهد Flatiron Institute
نفّذ الباحث Tindall الحسابات الأولية على حاسوب محمول قياسي باستخدام مكتبة ITensor، وهي مكتبة برمجية عالية الأداء صُممت خصيصاً للتعامل مع شبكات الموتّرات. ومن خلال ضغط البيانات، نجح الفريق في التقاط الديناميكيات الكمية ثلاثية الأبعاد. ومع ذلك، أشار Tindall إلى أن العمل مع هذه الكائنات الرياضية المعقدة في ثلاثة أبعاد لا يزال يمثل تحدياً كبيراً في هندسة البرمجيات.
إحياء خوارزمية من الثمانينيات
لمعالجة هذه المحاكاة الضخمة باستخدام موارد حوسبة متواضعة نسبياً، استخدم الفريق خوارزمية انتشار المعتقد (Belief propagation)، وهي خوارزمية طُورت في الأصل في الثمانينيات. أثبتت هذه الخوارزمية، التي تم تكييفها مؤخراً للأنظمة الكمية، كفاءة عالية. وأشار الباحث المشارك Miles Stoudenmire إلى أنه على الرغم من كونها تقريبية أكثر بقليل من الطرق القديمة، إلا أنها أقل تكلفة بكثير من الناحية الحسابية.
أتاحت هذه الكفاءة للفريق معالجة مشكلات ضخمة ثلاثية الأبعاد لم تكن الطرق القديمة والأكثر تعقيداً قادرة حتى على البدء في معالجتها. وعلى الرغم من محدودية الأجهزة، حققت المحاكاة دقة متطورة. وتطابقت النتائج الكلاسيكية تماماً مع البيانات التي أبلغت عنها مجموعة الحوسبة الكمومية، مما يثبت أن الحاسوب الكمي لم يكن ضرورياً بشكل قاطع لحل هذه المشكلة المحددة.
رفع سقف التحدي أمام التفوق الكمي
يُحدث هذا الإنجاز تحولاً جذرياً في مسار السباق بين الحوسبة الكمومية والكلاسيكية. فمن خلال إثبات قدرة الخوارزميات الكلاسيكية على محاكاة مئات الكيوبتات المتفاعلة، نجح فريق معهد Flatiron Institute في رفع المعيار الحقيقي لما يُعرف بالتفوق الكمي. لم يعد بإمكان مطوري الأجهزة الكمية الاعتماد على مجرد زيادة عدد الكيوبتات لإثبات تفوق أنظمتهم؛ بل يتعين عليهم الآن التفوق على خوارزميات كلاسيكية محسّنة للغاية.
علاوة على ذلك، يساهم هذا التآزر في تسريع وتيرة البحث العلمي الأوسع. نظراً لأن المحاكاة الكلاسيكية أصبحت أكثر سهولة في الوصول إليها، يمكن للباحثين اختبار النظريات الكمية وتحسينها بسرعة قبل نشرها على الحواسيب الكمية النادرة. ويخطط الفريق حالياً لمحاكاة حركة الإلكترونات بين المواقع، وهي خطوة حاسمة لفهم المواد الكمية المتقدمة والموصلات الفائقة. وإذا تمكنت الخوارزميات الكلاسيكية من التغلب على هذه الأنظمة شديدة الديناميكية، فقد يتطلب الجدول الزمني للتطبيقات العملية للحوسبة الكمومية إعادة تقييم جادة.