تثبت العواصف الرعدية خارج كوكب الأرض، والتي سجلتها مركبات وكالة الفضاء الأمريكية، أنها أعنف بكثير من أي شيء نشهده على كوكبنا، حيث يمكن لبعض الومضات إضاءة مساحات تعادل مساحة الولايات المتحدة الأمريكية. إن ظاهرة البرق، التي تولد درجات حرارة أشد حرارة من سطح الشمس، ليست حكراً على كوكبنا الأم. فقد كشفت عقود من استكشاف الكواكب أن هذه التفريغات الكهربائية الشديدة هي سمة شائعة، وإن كانت شديدة التنوع، في جميع أنحاء النظام الشمسي.
حدث أول اختراق كبير في عام 1979 عندما حلقت مركبة Voyager 1 بالقرب من كوكب المشتري. التقطت كاميرات التصوير الخاصة بها مناطق شاسعة من غيوم العملاق الغازي مضاءة بضربات البرق. وخلال هذه المهمة، استخدم الفيزيائي دون جورنيت من جامعة University of Iowa أجهزة على متن المركبة لرصد موجات راديوية تُعرف باسم "الصفارات" (Whistlers)، والتي تُعد بصمة صوتية قاطعة على نشاط البرق.
المشتري وزحل: عواصف العمالقة الغازية
قدمت المهام اللاحقة رؤى أعمق حول طقس كوكب المشتري. فقد رصدت مركبة New Horizons ومضات برق على المشتري أقوى بمقدار 10 أضعاف من أي ومضات سُجلت على الأرض. ومؤخراً، اكتشفت مركبة Juno، التي اقتربت من المشتري أكثر من أي مهمة سابقة، اختلافاً جوهرياً في كيفية عمل عواصف الكوكب. فعلى عكس الأرض، حيث يضرب البرق في الغالب فوق اليابسة ويبلغ ذروته بالقرب من خط الاستواء، وجدت مركبة Juno أن برق المشتري يتركز بشكل كبير حول خطوط العرض العليا.
على الرغم من هذا الاختلاف الجغرافي، سجلت مركبة Juno معدلات ذروة بلغت 4 ومضات في الثانية، وهو تردد مشابه بشكل ملحوظ للعواصف الأرضية. كما تشترك الآلية الأساسية في أوجه تشابه مع الأرض. ففي أعماق الغلاف الجوي للمشتري، تتصاعد الغازات بما في ذلك بخار الماء وتتجمد. ثم تقوم تيارات الحمل الحراري (Convection) بفصل جزيئات الجليد عن قطرات الماء السائل، مما يولد شحنة كهربائية تتفرغ في النهاية على شكل ضربة برق هائلة.
يُظهر زحل، وهو عملاق غازي آخر، نشاطاً كهربائياً عنيفاً مماثلاً. فخلال عمليات التحليق في عامي 1980 و 1981، رصدت مركبة Voyager إشارات راديوية أُطلق عليها اسم "الزفيركس" (Sferics)، والتي تشير إلى البرق تماماً مثل الصفارات. وسجلت مركبة Cassini لاحقاً انبعاثات مماثلة، كاشفة أنه خلال أشد عواصف زحل، يمكن أن يضرب البرق بمعدل مذهل يصل إلى 10 مرات في الثانية.
الجدل حول الزهرة والمريخ
في حين تستضيف العمالقة الغازية عواصف هائلة بوضوح، فإن البحث عن البرق على الكواكب الصخرية أسفر عن نتائج متضاربة. يتميز كوكب الزهرة بغلاف جوي حارق وجاف يتكون في معظمه من ثاني أكسيد الكربون المشبع بحمض الكبريتيك. عندما أجرت مركبة Cassini عمليتي تحليق بالقرب من الزهرة في عامي 1998 و 1999، استخدم جورنيت جهازاً راديوياً عالي الحساسية للبحث عن البرق الجوي. لم يرصد الجهاز أي شيء على الإطلاق، على الرغم من التقاطه لبرق الأرض بسهولة خلال تحليق بعد شهرين فقط.
ومع ذلك، رصدت مركبة Venus Express التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA) لاحقاً دفعات من الموجات الكهرومغناطيسية التي يعزوها بعض العلماء إلى الصفارات. ولا يزال هذا الاستنتاج موضع نقاش حاد، حيث يجادل المنتقدون بأن نطاق تردد الجهاز كان منخفضاً جداً بحيث لا يمكنه تحديد الأشكال القياسية للصفارات بشكل قاطع.
يحيط لغز مماثل بكوكب المريخ. فقد استخدم جورنيت مستقبل الرادار على مركبة Mars Express لإجراء بحث شامل استمر لمدة 5 سنوات عن البرق داخل العواصف الترابية المريخية، ولم يعثر في النهاية على أي دليل. وعلى العكس من ذلك، أظهرت الصور التي التقطتها مركبة Mars Global Surveyor ومضات ساطعة داخل هذه العواصف الترابية. علاوة على ذلك، يشير بعض الباحثين إلى فوهات محددة على سطح المريخ كدليل مادي محتمل على ضربات برق قديمة أو حديثة.
رأيي التقني
إن الدراسة المستمرة للبرق خارج كوكب الأرض هي أكثر بكثير من مجرد فضول في مجال الأرصاد الجوية؛ إنها أداة تشخيصية حاسمة لفهم الديناميكا الحرارية للكواكب. يوضح التناقض الصارخ بين البرق المدفوع بخط الاستواء على الأرض والعواصف المدفوعة بالقطبين على المشتري كيف تملي مصادر الطاقة المختلفة سلوك الغلاف الجوي. فالطقس على الأرض مدفوع في المقام الأول بالإشعاع الشمسي الذي يضرب خط الاستواء، في حين أن طقس المشتري يغذيه إلى حد كبير الحرارة الداخلية المتسربة من قلبه، مما يدفع تيارات الحمل الحراري نحو الأقطاب.
علاوة على ذلك، تسلط البيانات المتضاربة بشأن الزهرة والمريخ الضوء على القيود المفروضة على أدواتنا المدارية الحالية. حقيقة أن مركبة Cassini لم تجد شيئاً على الزهرة، بينما رصدت مركبة Venus Express موجات شاذة، تشير إلى أنه إذا كان البرق موجوداً بالفعل على هذه الكواكب الصخرية المجاورة، فإنه يعمل بترددات أو آليات غريبة تماماً عن الفيزياء الأرضية.
بالنسبة للمهام المستقبلية التي تستهدف الدخول في الغلاف الجوي للمسابر، مثل المهام القادمة إلى الزهرة أو عملاقي الجليد أورانوس ونبتون، فإن فهم هذه المخاطر الكهربائية ليس مجرد مسألة أكاديمية؛ بل هو مسألة بقاء للمركبات الفضائية. يجب على المهندسين أن يأخذوا في الاعتبار إمكانية مواجهة تفريغات أقوى بمقدار 10 أضعاف من تلك الموجودة على الأرض، مما يجعل هذه البيانات التاريخية من مركبة Juno ومركبة Cassini لا تقدر بثمن لتصميم الجيل القادم من المركبات الفضائية.