يكشف التحليل العميق للمذنب بين النجمي 3I/ATLAS أن هذا الجسم الغامض ليس مجرد زائر من خارج نظامنا الشمسي، بل هو أثر بدائي قد يكون عمره مقارباً لعمر الكون نفسه. وبعد مروره المرتقب عبر النظام الشمسي الداخلي العام الماضي، أكد العلماء أن المذنب 3I/ATLAS يختلف جذرياً عن أسلافه من الأجسام بين النجمية، مثل 1I/'Oumuamua و2I/Borisov. ومن خلال دراسة نسب نظائر الهيدروجين والكربون، توصل الباحثون إلى أن المذنب تشكل في بيئة متجمدة وبدائية للغاية قبل نحو 12 مليار سنة.
رصدت البشرية المذنب 3I/ATLAS لأول مرة في 1 يوليو 2025. ورغم تراجع الاهتمام العام بعد اقترابه لأقرب نقطة من الشمس في أواخر أكتوبر من ذلك العام، واصل علماء الفيزياء الفلكية تحليل الغازات المنبعثة منه. واستخدم فريق بحثي بقيادة عالم الفيزياء الفلكية الجزيئية مارتن كوردينر في مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لوكالة NASA، بيانات عالية الدقة من ملاحظات تلسكوب JWST للمذنب 3I/ATLAS، إلى جانب بيانات راديوية من مرصد ALMA، لفك شفرة التفاعلات الكيميائية التي تحدث داخل هالة المذنب.
وأوضح كوردينر قائلاً: "لقد كانت لحظة استثنائية. فوسط كل الشائعات حول التقنيات الفضائية الغريبة، برز سرد علمي قوي يشير إلى أن المذنب 3I/ATLAS يبدو مشابهاً جداً لمذنبات النظام الشمسي المعتادة. ومع ذلك، أظهرت نسب النظائر التي قسناها باستخدام تلسكوب JWST أنه ليس مميزاً فحسب، بل من المرجح أنه أقدم بكثير من نظامنا الشمسي".
شذوذ الديوكتيريوم وأصول التجمد العميق
يتمثل الشذوذ الرئيسي الأول الذي تم اكتشافه في المذنب 3I/ATLAS في تركيزه المرتفع بشكل غير عادي من الهيدروجين الثقيل، المعروف باسم الديوكتيريوم. وقاس كوردينر وزملاؤه نسبة الديوكتيريوم إلى الهيدروجين بمقدار 0.98% في مياه المذنب. وهذا الرقم المذهل أعلى بأكثر من 10 أضعاف من نسب الديوكتيريوم الموجودة عادة في مذنبات النظام الشمسي.
ووفقاً للنماذج المعتمدة لكيمياء الجليد، لا يحدث هذا المستوى المفرط من إثراء الديوكتيريوم إلا عندما يتشكل الماء في درجات حرارة تقل عن 30 كلفن (-243 درجة مئوية). ويحافظ هذا على البصمات الكيميائية لبيئة شديدة البرودة، مما يشير إلى أن مياه المذنب تشكلت بعيداً جداً عن دفء أي نجم.
إن الحصول على مثل هذا الدليل القاطع على أصل بعيد (في المكان والزمان) يكفي لتغيير السرد العلمي، وإظهار أن هذا الجسم هو بالفعل شيء فريد ومثير للاهتمام علمياً.
- مارتن كوردينر، مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لوكالة NASA
وتكشف نظائر الكربون الموجودة في المذنب 3I/ATLAS عن فصل رائع بنفس القدر من تاريخه. إذ يحتوي المذنب على نسب عالية بشكل غير عادي من الكربون-12 مقارنة بالكربون-13. وتشير هذه البصمة النظيرية المحددة إلى أن المذنب تشكل من مواد بدائية لم يتم إثراؤها بكثافة بعد بالعناصر المتناثرة من النجوم المحتضرة.
نظائر الكربون تشير إلى فجر المجرة
لم تصبح العناصر الأثقل من الهيدروجين والهيليوم وفيرة في الكون إلا بعد أن عاشت عدة أجيال من النجوم، ودمجت ذرات أثقل في نواتها، ثم انفجرت بعنف. ومن خلال مقارنة قياسات الكربون للمذنب 3I/ATLAS مع النماذج التي تتتبع التطور الكيميائي لمجرة درب التبانة، يُقدر الباحثون أن المذنب تشكل قبل ما بين 11 إلى 12 مليار سنة، عندما كانت المجرة لا تزال في مهدها.
ومع ذلك، يقر الباحثون باحتمال بديل: ربما يكون المذنب قد تشكل في منطقة نائية ومعزولة للغاية من الفضاء لم يمسها الغبار النجمي، مما منحه تركيباً كيميائياً نقياً يضخم عمره الظاهري بشكل مصطنع. ويُعد تتبع أصله الدقيق أمراً شبه مستحيل. فمع وجود حوالي 200 مليار نجم في المجرة، فإن حساب المدارات المتفاعلة للسحب بين النجمية وقوى الجاذبية يحد من قدرة العلماء على تتبع مسار المذنب إلى حوالي 10 ملايين سنة فقط إلى الوراء.
في الوقت الحالي، يقع المذنب 3I/ATLAS على بُعد 8 وحدات فلكية من الشمس، مقترباً من مدار كوكب زحل. ومن المتوقع أن يتجاوز مدار كوكب بلوتو في عام 2029، وسيخرج رسمياً من الغلاف الشمسي في حوالي عام 2035، ليواصل رحلته اللانهائية عبر مجرة درب التبانة. وقد نُشرت النتائج الكاملة لهذا البحث في مجلة Nature Astronomy.
مهمة الاعتراض الفضائية الحاسمة
إن اكتشاف أن المذنب 3I/ATLAS قد يكون كبسولة زمنية يبلغ عمرها 12 مليار عام يغير بشكل جذري كيفية تحديد وكالات الفضاء لأولوياتها تجاه الأجسام بين النجمية. فبينما اختفت الزوار السابقة مثل 'Oumuamua قبل أن نتمكن من تجهيز استجابة، يتحرك المذنب 3I/ATLAS وفق جدول زمني يسمح تقنياً بمطاردته. ونظراً لأنه لن يخرج من الغلاف الشمسي حتى عام 2035، فإن مسباراً اعتراضياً سريع التطوير يعمل بالدفع النووي يمكنه نظرياً اللحاق به.
إذا كان المذنب يحتوي بالفعل على جليد نقي من فجر مجرة درب التبانة، فإن التقاط عينات مادية أو حتى بيانات قياس طيف الكتلة عن قُرب سيوفر رؤى غير مسبوقة حول اللبنات الأساسية البدائية للمجرة، وهي بيانات لا يمكن لأي تلسكوب، ولا حتى تلسكوب JWST، تكرارها بالكامل من بعيد. وكما أشار كوردينر، لا يزال هناك وقت للحاق به إذا تم توجيه موارد العالم نحو هذه المهمة. إن العائد العلمي على الاستثمار لاعتراض جسم يبلغ عمره 12 مليار عام يبرر بسهولة تكلفة إطلاق مهمة رائدة، مما قد يجيب على أسئلة جوهرية حول توزيع المياه والكيمياء العضوية في الكون المبكر.