تمكن علماء الفيزياء من رصد تأثير دوران كمي غريب بشكل مباشر، حيث تعكس الحركات الذرية داخل البلورة اتجاهها بشكل غير متوقع مع الاستمرار في الخضوع لقوانين حفظ الزخم الزاوي (Angular Momentum). ومن خلال توجيه نبضات ليزر تيراهيرتز قوية نحو مادة صلبة، نجح فريق دولي من الباحثين في التحكم بهذه الحركات المجهرية. ويقدم هذا الاكتشاف نظرة غير مسبوقة حول كيفية انتقال الزخم الزاوي عبر الشبكة البلورية (Crystal Lattice)، مما يوفر رؤى حاسمة حول الأصول الأساسية للمغناطيسية.
لأكثر من قرن، أدرك العلماء أن الدوران الميكانيكي والمغناطيسية مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، وهو مفهوم أثبته لأول مرة العالمان Albert Einstein وWander Johannes de Haas. ومع ذلك، ظل تتبع كيفية انتشار الزخم الزاوي بدقة عبر الترتيب المنظم للذرات داخل المادة تحدياً كبيراً. وقد تمكن باحثون من مركز Helmholtz-Zentrum Dresden-Rossendorf (HZDR) ومعهد Fritz Haber التابع لجمعية Max Planck من رصد عملية الانتقال هذه بشكل مباشر.
ركز الفريق تجاربه على المادة الكمية سيلينيد البزموت (Bismuth Selenide). وباستخدام نبضات ليزر تيراهيرتز شديدة القوة، دفعوا اهتزاز الشبكة إلى حركة دائرية، بينما قامت نبضة ثانية فائقة السرعة بقياس الاهتزازات المتصلة. وأكد Sebastian Maehrlein، قائد الدراسة في مركز HZDR، على أهمية هذه النتائج. وأوضح Maehrlein قائلاً: "لقد اكتشفنا شيئاً جديداً كلياً نأمل أن يجد طريقه قريباً إلى الكتب المدرسية".
عملية أومكلاب وتأثير "1 + 1 = -1"
أثناء الانتقال بين اهتزازات الشبكة، شهد الباحثون ظاهرة غير متوقعة: فقد عكس الزخم الزاوي اتجاهه بالكامل. ويحدث هذا بسبب التناظر الدوراني المتأصل في الشبكة البلورية، حيث تكون بعض حالات الدوران متطابقة فيزيائياً على الرغم من دورانها في اتجاهات متعاكسة. ويتحد الزخم الزاوي المرتبط بهذه الاهتزازات لخلق دوران جديد بتردد مضاعف ولكن بمسار معكوس.
يطلق الفريق على هذا السلوك غير المعتاد اسم تأثير "1 + 1 = -1"، مشبهين إياه بعملية أومكلاب (Umklapp Process) حيث يعكس تناظر البلورة اتجاه الحركة فعلياً. ويمثل هذا أول إثبات تجريبي لمثل هذا السلوك الذي يتضمن الزخم الزاوي للشبكة، والذي تم تفصيله في دراسة حديثة نُشرت في دورية Nature Physics.
أجد أنه من الأناقة الاستثنائية كيف تُملى قوانين الفيزياء مباشرة من خلال التناظرات الموجودة في الطبيعة.
- أولغا ميناكوفا، معهد فريتز هابر التابع لجمعية ماكس بلانك
إعادة كتابة قواعد الذاكرة الكمية
يُعد هذا الاكتشاف أكثر من مجرد إنجاز في الفيزياء النظرية؛ إذ يحمل تداعيات فورية على مستقبل تخزين البيانات والحوسبة الكمية. ومن خلال إثبات أن نبضات ليزر تيراهيرتز يمكنها التحكم بشكل موثوق في الزخم الزاوي وعكسه في مادة مثل سيلينيد البزموت، فتح الباحثون آلية جديدة محتملة لكتابة البيانات بسرعات غير مسبوقة. وتعتمد أجهزة الذاكرة المغناطيسية الحالية على قلب دورانات الإلكترونات، وهي عملية سريعة ولكنها مقيدة في النهاية بالحرارة وفقدان الطاقة.
إذا تمكن المهندسون من تسخير عملية أومكلاب وتأثير "1 + 1 = -1"، فقد تتمكن أجهزة الذاكرة المتقدمة المستقبلية من معالجة اهتزازات الشبكة مباشرة لتخزين المعلومات. ومن الناحية النظرية، سيسمح هذا بمعالجة بيانات أسرع بمرات عديدة وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة مقارنة بالمعايير الحالية القائمة على السيليكون. ومع تزايد الطلب على المواد الكمية عالية السرعة، سيكون إتقان هذه التناظرات الخفية هو المفتاح لبناء الجيل القادم من تقنيات المعلومات.