ضخت وكالة الفضاء البريطانية (UKSA) استثماراً بقيمة 3 ملايين جنيه إسترليني لتطوير مرصد العوالم الصالحة للحياة (Habitable Worlds Observatory) التابع لوكالة NASA، مما يضمن للمملكة المتحدة دوراً محورياً في البحث عن الحياة خارج كوكب الأرض. ويهدف هذا التلسكوب الفضائي الرائد، المتوقع إطلاقه في أربعينيات القرن الحالي، إلى اكتشاف الكواكب الشبيهة بالأرض التي تدور حول نجوم قريبة وتحليل أغلفتها الجوية بحثاً عن بصمات حيوية. وسيكون هذا المرصد بمثابة المهمة الكبرى التالية لوكالة NASA بعد تلسكوب نانسي جريس رومان الفضائي.
ويُعد هذا التحديث بالغ الأهمية لعلماء الفلك والمهتمين بعلوم الفضاء، حيث يمثل المحاولة الأكثر طموحاً حتى الآن للإجابة عن سؤال ما إذا كنا وحدنا في الكون. وسيركز المرصد على الجوار الكوني المحلي للأرض، حيث سيفحص مباشرة العوالم التي يُحتمل أن تكون صالحة للحياة ضمن نطاق 30 سنة ضوئية. وأوضح البروفيسور مارتن بارستو من جامعة ليستر أن مرصد العوالم الصالحة للحياة يُعد من أكثر مهام علوم الفضاء إثارة قيد التطوير حالياً، مشيراً إلى أنه سيتصدى لأحد أكبر الأسئلة في العلم الحديث.
هندسة جهاز التصوير عالي الدقة
يُمثل التصوير المباشر لكوكب شبيه بالأرض تحدياً بصرياً بالغ الصعوبة، حيث تظهر هذه العوالم كنقاط باهتة بجوار نجوم مضيفة تفوقها سطوعاً بنحو 10 مليارات مرة. ولتحقيق ذلك، سيستخدم مرصد العوالم الصالحة للحياة مرآة بمقاس 8 أمتار يجب أن تحافظ على استقرارها بدقة تصل إلى عرض ذرة واحدة. وتُعد هذه الدقة الذرية ضرورية لحجب ضوء النجم الساطع حتى يمكن اكتشاف الضوء الخافت المنعكس من الكوكب، وهو تحدٍ يشبهه علماء الفلك بمحاولة تصوير عثة ترفرف بجوار قاذف لهب.
سيكون أول تلسكوب مُصمم خصيصاً للبحث عن أدلة على وجود حياة في الكواكب البعيدة. تخيل للحظة أنه وجد دليلاً على الحياة هناك. يا له من إنجاز عظيم!
- فينسينت فان إيلين، مختبر مولارد لعلوم الفضاء بجامعة UCL
ويقود الباحثون البريطانيون حالياً العمل المفاهيمي على مكونين أساسيين مقترحين: جهاز التصوير عالي الدقة (High Resolution Imager) والمطياف متعدد الأجسام (Multi-Object Spectrograph). ويسمح التمويل الجديد البالغ 3 ملايين جنيه إسترليني للتحالف البريطاني بتوسيع نطاق جهوده، وتطوير التقنيات اللازمة لتحويل تصميمات هذه الأدوات إلى أجهزة فعلية. ويستند هذا إلى تاريخ طويل من المساهمات البريطانية في مهام NASA الكبرى، بما في ذلك تلسكوب هابل الفضائي وأداة الأشعة تحت الحمراء المتوسطة (MIRI) على متن تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST).
ويجمع هذا الجهد التعاوني تحالفاً ضخماً من المؤسسات البريطانية. وتضم الشراكة باحثين من جامعة دورهام، والجامعة المفتوحة، وجامعة ليستر، ومختبر RAL Space، وجامعة بورتسموث، وجامعة أكسفورد، ومركز تكنولوجيا علم الفلك في المملكة المتحدة (ATC)، ومختبر مولارد لعلوم الفضاء التابع لجامعة UCL.
مفارقة التمويل التي تهدد الاكتشافات المستقبلية
في حين يضمن استثمار الأجهزة البالغ 3 ملايين جنيه إسترليني مقعداً لبريطانيا على طاولة الهندسة، فإن أزمة محلية تلوح في الأفق تهدد العوائد العلمية طويلة المدى للمهمة. ونظراً لأن مرصد العوالم الصالحة للحياة لن يبدأ عملياته قبل عقدين من الزمن، فإن العلماء الشباب الذين يعملون حالياً في مجال البحث البريطاني هم من سيتولون مسؤولية قيادة اكتشافاته في أربعينيات القرن الحالي. ومع ذلك، فإن التخفيضات المستمرة في التمويل التي تؤثر على المعاهد الرئيسية والبرامج العلمية في جميع أنحاء المملكة المتحدة تخلق حالة من عدم اليقين الشديد لهذا الجيل القادم من علماء الفلك.
ويخلق هذا مفارقة استراتيجية واضحة: فتمويل الأدوات المادية يصبح بلا جدوى فعلياً إذا تم تفريغ المجتمع العلمي المحلي قبل وصول البيانات. وقد حذّر البروفيسور بارستو صراحة من أن تطوير الأجهزة وحده لن يضمن دوراً بريطانياً حقيقياً في المرحلة التشغيلية للمهمة. وإذا لم يتم الحفاظ على الدعم طويل الأجل للحفاظ على المهارات التقنية والمعرفة العلمية، فإن بريطانيا تخاطر ببناء تلسكوب عالمي المستوى فقط لتشاهد شركاءها الدوليين يجنون ثمار اكتشافاته.