تسيطر المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى القضاء نهائياً على الوظائف المكتبية على أروقة الشركات، ولكن بعد مرور نحو أربع سنوات على إطلاق روبوت المحادثة ChatGPT، يروي سوق العمل قصة مختلفة تماماً. فبدلاً من تسريح العمالة على نطاق واسع، حافظت معدلات التوظيف في المهن الأكثر عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي على وتيرتها، بل وتجاوزت في بعض الأحيان القطاعات الأقل تأثراً. وبحسب تحليل جديد لكبير الاقتصاديين في شركة Vanguard نُشر في مجلة Fortune، فإن الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) أقرب بكثير إلى مرحلة إدخال أجهزة الصراف الآلي في الثمانينيات، وليس إلى مرحلة الاضطراب الجذري التي أحدثتها الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول.
عندما ظهرت أجهزة الصراف الآلي لأول مرة، توقعت التنبؤات انقراض مهنة صراف البنك. ولكن بدلاً من ذلك، أدى خفض تكاليف التشغيل إلى جعل فتح المزيد من الفروع أمراً مجدياً اقتصادياً للبنوك. ونتيجة لذلك، حافظ إجمالي وظائف الصرافين في الولايات المتحدة على استقراره من عام 1980 حتى عام 2010. بالنسبة لصراف في منتصف مسيرته المهنية في الثمانينيات، شكل الصراف الآلي تهديداً أقل بكثير للتوظيف مما أشارت إليه العديد من التوقعات الصناعية.
التحول من المعاملات إلى إدارة العلاقات
وبدلاً من تدمير الوظائف، أدى التوسع في الخدمات المصرفية للأفراد إلى خلق طلب على مجموعة أوسع من المهن المتخصصة. فقد وظفت البنوك المزيد من مسؤولي القروض، ومحللي الائتمان، والمصرفيين الشخصيين، ومتخصصي مكافحة الاحتيال والمخاطر. وانتقل العمل داخل الفروع إلى مستوى أعلى في سلسلة القيمة والمهارات، ليصبح التركيز أقل على معالجة المعاملات الروتينية وأكثر على إدارة علاقات العملاء.
الدرس المستفاد هو أن أتمتة المهام المعزولة نادراً ما تؤدي إلى فقدان الوظائف على نطاق واسع، باستثناء المهن التي تُبنى حول مجموعة ضيقة جداً من الأنشطة.
- كبير الاقتصاديين في شركة Vanguard، مجلة Fortune
لم يحدث التحول الهيكلي الحقيقي إلا في عام 2010 تقريباً مع صعود الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول. فعلى عكس أجهزة الصراف الآلي التي أتمتت مهمة محددة، أتمتت الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول الرحلة بأكملها إلى البنك. وبحلول عام 2025، أفاد بنسبة 9% فقط من عملاء البنوك أن الفروع هي قناتهم المصرفية الأساسية، وهو انخفاض هائل مقارنة بنسبة 36% في عام 2007. وقد أدى هذا التحول إلى انخفاض مماثل في وظائف صرافي البنوك.
متى يحدث الاضطراب الحقيقي؟
والأهم من ذلك، أن هذا التحول لم يكن مدفوعاً بالتكنولوجيا وحدها. فقد منح قانون التوقيعات الإلكترونية في التجارة العالمية والوطنية لعام 2000 التوقيعات الإلكترونية نفس المكانة القانونية للتوقيعات بالحبر، مما ساعد في تمكين التجارب المصرفية الرقمية بالكامل وتسريع الابتعاد عن المعاملات الشخصية. ومع ذلك، ولّد هذا الاضطراب فئات جديدة كلياً من الوظائف، حيث خلقت حقبة الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول طلباً هائلاً على:
- محللي الأمن السيبراني (Cybersecurity analysts)
- مديري المنتجات الرقمية (Digital product managers)
- مهندسي منصات الدفع (Payment-platform engineers)
- مُشغلي منصات البيانات (Data-platform operators)
المحفز المؤسسي لفقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي
يكشف تحليل شركة Vanguard عن نقطة عمياء بالغة الأهمية في كيفية قياسنا لمدى تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل: التكنولوجيا وحدها نادراً ما تملي نتائج التوظيف. فالخطر الحقيقي على الوظائف المكتبية لن يتحقق بمجرد أن تصبح النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) أسرع أو أكثر دقة. وكما رأينا مع قانون التوقيع الإلكتروني لعام 2000، يتطلب الاضطراب الحقيقي حافزاً في مسارات العمل المؤسسية والأطر القانونية.
في الوقت الحالي، يعمل الذكاء الاصطناعي بمثابة جهاز صراف آلي؛ فهو أداة قوية تعزز قدرات العمال وتجعلهم أكثر إنتاجية دون تفكيك الهيكل الأوسع للعمل. ولكن عندما يصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة "الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول"، فمن المرجح أن يكون ذلك مدفوعاً بإعادة تشكيل أساسية لهياكل الشركات، مثل حصول وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents) المستقلين بالكامل على السلطة القانونية لتنفيذ العقود أو إدارة الميزانيات. وإلى أن تتوافق تلك النماذج التجارية والتغييرات المؤسسية، فإن حالة الذعر بشأن نهاية وشيكة للوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي تظل مبالغاً فيها إلى حد كبير.