يواجه التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة عقبة لوجستية هائلة تتمثل في نقل وتخزين الفائض من طاقة الرياح والطاقة الشمسية لمسافات طويلة. ورغم أن الهيدروجين كان يُعتبر الحل الجذري لهذه الأزمة، حدد باحثون في معهد كارلسروه للتكنولوجيا (KIT) في ألمانيا بديلاً عالي الكفاءة وسهل النقل: مسحوق الحديد.
تعتمد التقنية المقترحة على حلقة كيميائية بسيطة وخالية من الكربون. عند حرق مسحوق الحديد، فإنه يولد حرارة شديدة وكهرباء، ويترك وراءه أكسيد الحديد، المعروف باسم الصدأ. ولإعادة ضبط الدورة، يُستخدم الهيدروجين الأخضر المولد من فائض الطاقة المتجددة لإزالة الأكسجين، مما يعيد الصدأ إلى مسحوق حديد نقي. وتتم هذه العملية بأكملها دون إصدار أي انبعاثات لغاز ثاني أكسيد الكربون أو مواد ضارة بالبيئة.
عند احتراقه، يتصرف مسحوق الحديد تماماً مثل الفحم.
- جوليا شولر، معهد الإنتاج الصناعي في KIT
يمنح هذا التشابه في السلوك مع الوقود الأحفوري ميزة هائلة للحديد على مستوى البنية التحتية. فلن تضطر شركات الطاقة إلى هدم محطات توليد الكهرباء الحالية التي تعمل بالفحم لاستيعاب التقنية الجديدة. وبدلاً من ذلك، يمكن للمهندسين تعديل مولدات الحرارة فقط، مع الاحتفاظ الكامل بالمكونات القديمة باهظة الثمن، بما في ذلك دورات البخار، والتوربينات الضخمة، والمولدات الثقيلة، وتوصيلات الشبكة المحلية.
وباستخدام نموذج نظام الطاقة المتقدم (PERSEUS)، أجرى فريق معهد KIT محاكاة لتطور الشبكة الأوروبية حتى عام 2050. وأظهرت النتائج، التي نُشرت في دورية (Chem Circularity)، أن الحديد لن يقضي على اقتصاد الهيدروجين، بل سينقذه من اختناقاته اللوجستية. فبينما يُعد غاز الهيدروجين مثالياً لتوصيل الطاقة السريع والشبكات المحلية، فإن اعتماده على خطوط أنابيب عالية الضغط وكهوف عميقة يجعل نقله عالمياً أمراً بالغ التعقيد. في المقابل، يتميز مسحوق الحديد بكثافته واستقراره، مما يسمح بنقله عبر سفن الشحن التقليدية وتخزينه في مستودعات عادية دون الحاجة تقريباً إلى أي استثمارات جديدة في البنية التحتية.
طوق النجاة الاقتصادي للشبكات القديمة
لا تكمن العبقرية الحقيقية لاقتراح معهد KIT في كفاءته الكيميائية فحسب، بل في كونه جسراً اقتصادياً عملياً للتحول الأخضر. فمن خلال توفير مسار قابل للتطبيق لتحديث البنية التحتية الحالية للفحم، تُحيّد هذه الدورة القائمة على الحديد واحدة من أكبر العقبات المالية أمام الحياد الكربوني: الأصول المهجورة. إذ يمكن لعمالقة الطاقة والدول المعتمدة على الفحم التحول نحو عمليات خالية من الانبعاثات دون شطب مليارات الدولارات من استثمارات الشبكات القديمة.
علاوة على ذلك، يعالج مسحوق الحديد بشكل مباشر عجز التخزين الموسمي الذي تعاني منه شبكات الطاقة المتجددة الحالية. فبالنسبة لدول مثل ألمانيا، يمكن لمحطات طاقة الحديد المُحدّثة أن تعمل كاحتياطي استراتيجي، تتدخل لإبقاء الأضواء مضاءة خلال الفترات الطويلة التي تغيب فيها الشمس وتتوقف فيها الرياح. وفي جميع السيناريوهات التي صممها الباحثون، برزت الطاقة المولدة بالحديد كعنصر حيوي في أرخص مسار ممكن نحو مستقبل محايد مناخياً.