أحدث دمج الذكاء الاصطناعي في العلوم الأساسية نقلة نوعية تتجاوز بكثير مجرد تحليل البيانات التقليدي. وتُبرز مراجعة شاملة تمتد لعشر سنوات، أُعدت مؤخراً لورشة عمل MODE في جزيرة كريت، كيف أعاد التعلم الآلي صياغة مجال فيزياء الجسيمات بشكل جذري. بدأت هذه التحولات فعلياً في عام 2012، عندما نُشرت خوارزميات التعلم الآلي لتعزيز دقة عمليات البحث في مصادم الهادرونات الكبير (LHC)، مما لعب دوراً حاسماً في دراسة بوزون هيغز.
وعلى الرغم من هذه النجاحات البرمجية المبكرة، واجه الجانب العتادي في الفيزياء الأساسية مقاومة مبدئية لثورة الذكاء الاصطناعي. فقد أصرّ علماء الفيزياء التجريبية ومصممو الكواشف في البداية على أن التعلم الآلي لا يمكنه تحسين التصميم المادي لأدواتهم بشكل كبير. ولكن، مع بدء الخوارزميات في استخراج مستويات غير مسبوقة من التفاصيل من مخرجات الكواشف، أصبح من الواضح أن الأدوات المادية ذاتها بحاجة إلى تحسين متزامن مع البرمجيات التي تحلل بياناتها.
كان موقف خبراء تصميم الكواشف يتلخص في أن عملهم لا يمكن أن يستفيد كثيراً من خوارزمية التعلم الآلي، ناهيك عن توليها المهمة بالكامل. كان هذا قصر نظر، خاصة وأن أدوات التعلم الآلي تلك كانت تُظهر بالفعل كيف يتم إحداث ثورة في استخراج المعلومات.
- تقرير Science20 الاستعراضي
أشعل هذا الإدراك حركة نحو مفهوم التصميم المشترك (Codesign)، وهي منهجية يتم فيها تطوير العتاد والبرمجيات كنظام واحد متكامل. ويُعد إعادة تقييم مسعرات الهادرونات (Hadron calorimeters) مثالاً بارزاً على هذا التطور. فبعد أن كانت تُعتبر المكون الأقل أهمية في كاشف المصادم، أصبحت هذه الأدوات تُعرف الآن بكونها ضرورية لتحديد الجسيمات الثقيلة مثل كواركات القمة وبوزونات W/Z، شريطة أن تتمكن من التقاط صور عالية الدقة لترسب الطاقة.
محطات رئيسية في الفيزياء المدعومة بالذكاء الاصطناعي
على مدى العقد الماضي، حظي التوجه نحو التحسين الشامل للتجارب العلمية بدعم تجاوز 9 ملايين يورو من تمويل المفوضية الأوروبية عبر ثلاثة مشاريع كبرى. وقد أثمر هذا الاستثمار عن عدة مبادرات رائدة:
- خوارزمية INFERNO: طوّرها الباحث بابلو دي كاسترو، واعتمدت هذه الخوارزمية على البرمجة القابلة للاشتقاق (Differentiable programming) لتحقيق تحسين شامل للتحليلات الفيزيائية، مع مراعاة الشكوك المنهجية في القياسات بشكل دقيق.
- تعاون MODE: تأسس في عام 2019 لتوسيع مفاهيم نظام INFERNO، وتضم هذه المبادرة العالمية الآن أكثر من 40 مؤسسة عبر أربع قارات، وتركز بالكامل على تحسين تصميم الأدوات العلمية.
- مجموعة EUCAIF للتصميم المشترك: مجموعة عمل مكرسة لإثبات أنه لم يعد من الممكن تحسين العتاد بمعزل عن إجراءات استخراج المعلومات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي التي يتيحها هذا العتاد.
مشروع PHINDER: الحوسبة العصبية تلتقي بالضوئيات النانوية
تُوّج السعي نحو دقة أعلى في تحديد الجسيمات بإطلاق مشروع PHINDER مؤخراً، وهو مبادرة ضمن برنامج EIC-Pathfinder بدأت في شهر أبريل الماضي. يهدف المشروع إلى تجاوز طرق القراءة الإلكترونية التقليدية شديدة التعقيد من خلال الاستفادة من الحوسبة العصبية (Neuromorphic computing). ومن خلال دمج الضوئيات النانوية في تصميم الكاشف، يستكشف الباحثون طرقاً جديدة كلياً لمعالجة زخات الجسيمات.
وعلى وجه التحديد، يستخدم مشروع PHINDER أسلاك زرنيخيد الإنديوم النانوية لأداء دورين مزدوجين: العمل كعناصر حساسة للضوء داخل مادة بلاستيكية وامضة نشطة، والعمل كخلايا عصبية في شبكة استشعار عصبية. وفي خروج جذري عن الحوسبة القياسية، يستخدم النظام الفوتونات لإجراء العمليات الحسابية، معتمداً على سلسلتها الزمنية كمتجه أساسي لاستخراج المعلومات. يتيح ذلك للعلماء جمع بيانات طوبولوجية من زخات الجسيمات دون الحاجة إلى تقسيم المسعر إلى ملايين القنوات الإلكترونية المستقلة.
نهاية عصر تصميم العتاد المعزول
يُثبت مسار السنوات العشر الماضية أن عصر بناء أجهزة علمية ثابتة ومعزولة قد ولى. إن نجاح تعاون MODE وإطلاق مشروع PHINDER يبرهنان على أن القيود المادية للكاشف يجب أن تُعامل الآن كمعلمات قابلة للضبط داخل نموذج تعلم آلي أوسع. وعندما يتم تحسين العتاد والبرمجيات معاً، يصبح الجهاز التجريبي بأكمله نظام ذكاء اصطناعي واحد ومتماسك.
وبالنظر إلى المستقبل، يشير الاعتماد على الحوسبة العصبية في فيزياء الجسيمات إلى اتجاه أوسع لأبحاث الطاقة العالية. فمع تزايد ضخامة البيانات الناتجة عن المصادمات، ستشكل القراءات الإلكترونية التقليدية حتماً عنق زجاجة. ومن خلال تحويل الحوسبة مباشرة إلى المستوى الفوتوني، فإن مشاريع مثل PHINDER لا تحل مشكلة استخراج البيانات فحسب؛ بل تضع الأساس للجيل القادم من الأدوات العلمية المستدامة وفائقة السرعة.