من المتوقع أن تشهد أصول رأس المال الجريء في أوروبا انكماشاً حاداً خلال السنوات الخمس المقبلة، لتتراجع من 431.4 مليار دولار بنهاية عام 2025 إلى 311.4 مليار دولار بحلول عام 2030. ويكشف تحليل جديد صادر عن مؤسسة PitchBook عن تباين صارخ في أسواق رأس المال الخاص في المنطقة، حيث يُتوقع أن تواصل الأسهم الخاصة نموها المطرد بينما يواجه قطاع الشركات الناشئة جفافاً مستمراً في السيولة.
يمثل هذا التوقع تحولاً حاسماً للمؤسسين، والشركاء المحدودين (Limited Partners)، والمستثمرين المؤسسيين في أوروبا. فقد انتهت رسمياً طفرة التمويل التي أعقبت الجائحة، لتحل محلها بيئة استثمارية شديدة الانتقائية تتركز فيها رؤوس الأموال في قطاعات محددة، مع تراجع العوائد بشكل متزايد عن متوسطاتها التاريخية.
انكماش أصول رأس المال الجريء
ينبع التراجع المتوقع في الأصول المدارة (AUM) لقطاع رأس المال الجريء من الضعف المستمر في وتيرة جمع الأموال، حيث يتراجع كل من إجمالي رأس المال المجموع وعدد الصناديق النشطة سنوياً منذ ذروتها في عام 2022. وحتى في السيناريو الأكثر تفاؤلاً لمؤسسة PitchBook، لن تتجاوز أصول رأس المال الجريء حاجز 406.2 مليار دولار بحلول عام 2030، بينما يشير السيناريو الأسوأ إلى انهيارها لتصل إلى 243.9 مليار دولار.
وتؤكد التقلبات الأخيرة في القطاع هذا المسار الهبوطي. فقد قفزت أصول رأس المال الجريء سابقاً إلى 422.5 مليار دولار في عام 2021 وسط نشاط قياسي للصفقات، قبل أن تتراجع ثم تسجل مستوى مرتفعاً جديداً في أواخر عام 2025. ومع ذلك، أدى تذبذب تدفق الصفقات، وركود عمليات التخارج، ومحدودية التوزيعات النقدية للشركاء المحدودين إلى خلق عقبات شديدة. وتواجه العديد من الشركات الناشئة الأوروبية الآن تباطؤاً في نمو التقييمات، أو تخفيضات داخلية في القيمة، أو تتعمد إخفاء تفاصيل التسعير عن الجمهور.
ورغم تسارع الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي بشكل حاد خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، إلا أن هذا التركيز يفرض مخاطر تقلب عالية. ولا تزال عمليات التخارج الكبرى المدفوعة بالذكاء الاصطناعي نادرة في أوروبا مقارنة بالسوق الأمريكية، مما يجعل الأداء المستقبلي لهذه الاستثمارات الضخمة غير مؤكد إلى حد كبير.
النمو المستقر للأسهم الخاصة
على النقيض تماماً من بيئة رأس المال الجريء، تتجه الأسهم الخاصة (Private Equity) في أوروبا نحو توسع مستمر ومعتدل. ويتوقع السيناريو الأساسي لمؤسسة PitchBook نمو أصول الأسهم الخاصة من 1.5 تريليون دولار في عام 2025 إلى 1.7 تريليون دولار بحلول عام 2030، وهو ما يمثل معدل نمو سنوي مركب (CAGR) بنسبة 3%. ويعكس هذا الصعود الثابت مرونة فئة الأصول تاريخياً، حيث توسعت باستمرار من 534.6 مليار دولار في عام 2015.
وقد أثبت نشاط الأسهم الخاصة أنه أكثر استقراراً بكثير من رأس المال الجريء، حيث سجلت قيم الصفقات أرقاماً قياسية في عام 2025، وحققت عمليات جمع الأموال مستويات عليا جديدة بين عامي 2023 و2024. وبناءً على اتجاهات جمع الأموال والأداء، تضع سيناريوهات الحد الأدنى والأقصى أصول الأسهم الخاصة لعام 2030 بين 1.5 تريليون دولار و2.0 تريليون دولار.
ومن المتوقع أن يُدعم هذا النمو بتطور هياكل الصناديق، بما في ذلك الصناديق الثانوية، والصناديق الدائمة (Evergreen Funds)، وزيادة فرص وصول صناديق التقاعد، وصناديق الثروة السيادية، ومستثمري التجزئة. ورغم أن التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الفائدة تشكل مخاطر بسبب اعتماد الأسهم الخاصة على الرفع المالي، إلا أن قدرة القطاع على إدارة هوامش الربح وسط التضخم تحافظ على إيجابية مساره العام.
الهيمنة الجغرافية للمملكة المتحدة
على الصعيد الجغرافي، من المتوقع أن تحافظ المملكة المتحدة على هيمنتها المطلقة على مشهد رأس المال الخاص الأوروبي. وبحلول عام 2030، يُتوقع أن تستحوذ المملكة المتحدة على نسبة 31.5% من أصول رأس المال الجريء الأوروبية (حوالي 137 مليار دولار) ونسبة 38.8% من أصول الأسهم الخاصة (حوالي 673 مليار دولار).
وخارج المملكة المتحدة، ستظل فرنسا، وألمانيا، وهولندا، وإسرائيل المساهمين الأبرز في بيئة رأس المال الجريء. في المقابل، ستبرز لوكسمبورغ، والسويد، وفرنسا، وسويسرا بشكل لافت في قطاع الأسهم الخاصة، مدعومة بالأنظمة الضريبية المواتية والممارسات الراسخة لتوطين الصناديق الاستثمارية.
أزمة التخارج في قطاع الذكاء الاصطناعي الأوروبي
تُسلط بيانات PitchBook الضوء على خلل هيكلي في بيئة التكنولوجيا الأوروبية، يتمثل في العجز عن توليد أحداث سيولة ضخمة (عمليات تخارج) لشركات الذكاء الاصطناعي الناشئة. فبينما تضخ الصناديق الأوروبية رؤوس أموال هائلة في الذكاء الاصطناعي لمواكبة الولايات المتحدة، فإن غياب سوق اكتتابات عامة (IPO) قوي أو شركات تكنولوجيا محلية مستعدة للاستحواذ بشراسة، يعني أن هذه التقييمات المرتفعة تظل مجرد حبر على ورق.
وإذا لم يتدخل المنظمون والبورصات الأوروبية لخلق مسارات تخارج أكثر جاذبية وقابلية للتطبيق، فإن الشركاء المحدودين سيوجهون أموالهم بشكل متزايد نحو الصناديق الأمريكية حيث السيولة مضمونة ومُثبتة. وتهدد هذه الديناميكية بتسريع الانكماش المتوقع البالغ 120 مليار دولار في أصول رأس المال الجريء الأوروبية، مما قد يحرم الجيل القادم من الابتكارات الأوروبية من تمويل المراحل المبكرة.