تمكن علماء الفيزياء في جامعة ولاية لويزيانا (LSU) من هندسة أول مادة كمومية (Room-temperature quantum material) تعمل في درجة حرارة الغرفة، مما يلغي فعلياً الحاجة إلى ثلاجات التبريد العميق الضخمة والمستهلكة للطاقة. لعقود طويلة، ظلت التقنيات الثورية حبيسة مختبرات التبريد بسبب الطبيعة الهشة لميكانيكا الكم، لكن هذا الابتكار يكسر حاجز الصفر المطلق.
يقدم هذا البحث، الذي نُشر في دورية Nature العلمية، فئة جديدة كلياً من المواد التي تعمل دون الحاجة إلى التبريد العميق. في درجات الحرارة العادية، تؤدي اهتزازات الذرات عادةً إلى تدمير التأثيرات الكمومية الدقيقة المطلوبة للحوسبة المتقدمة والاستشعار. ولكن من خلال هندسة المادة من الصفر، تمكن الفريق من تجاوز قيود الطبيعة تماماً.
بناء البلورة الوصفية البلازمونية
بدلاً من البحث عن مواد متوفرة في الطبيعة، قام الباحثون ببناء بلورة كمومية اصطناعية. وضع الفريق طبقة رقيقة جداً من الذهب على شريحة زجاجية، ثم استخدموا حزماً أيونية مركزة لقطع مئات الشقوق النانوية في المعدن. يعمل كل شق كذرة اصطناعية، أو ذرة وصفية (Meta-atom)، لتشكيل هيكل أرق من شعرة الإنسان.
عندما ينتقل الضوء عبر سطح الذهب هذا، فإنه يتفاعل مع الذرات الاصطناعية المصممة بدقة. ومن خلال ضبط حجم وشكل ومسافات هذه الهياكل، تعمل المادة كمرشح إحصائي. فهي تكتشف الفروق الكمومية الدقيقة في الفوتونات الواردة وتوجه الحالات الكمومية المختلفة عبر مسارات منفصلة ومستقرة.
وأوضح الأستاذ المشارك عمر ماغانيا لويزا، الذي قاد الدراسة: "تحمل هذه الحالات الكمومية معلومات دقيقة. يمكن لبلورتنا التمييز بينها ونقلها من نقطة إلى أخرى بطريقة قوية دون الحاجة إلى التبريد العميق. هذا هو ما يفتح الباب أمام تقنيات كمومية عملية".
النطاقات الإحصائية الكمومية والطاقة الشمسية
أطلق الفريق مصطلحاً جديداً على ابتكارهم: البلورة الوصفية البلازمونية الإحصائية الكمومية (Quantum statistical plasmonic metacrystal). وكما تتحكم هياكل النطاقات الإلكترونية في كيفية تدفق الكهرباء عبر أشباه الموصلات، تتميز هذه المادة الجديدة بوجود "نطاقات إحصائية كمومية" تحكم حركة الحالات الكمومية للضوء. يتيح ذلك لبعض الحالات المرور دون تغيير بينما تخضع حالات أخرى لتغييرات إحصائية، مما يحافظ على التماسك الكمومي (Quantum coherence) الهش للغاية للأنظمة متعددة الأجسام.
وإلى جانب الحوسبة الكمومية وشبكات الاتصال الآمنة، تحمل هذه المادة الكمومية إمكانات مفاجئة في مجال الطاقة المتجددة. تفقد الخلايا الشمسية الحديثة كميات كبيرة من الطاقة عندما يتحول الضوء المحتجز إلى حرارة بدلاً من كهرباء. ومن خلال توجيه الضوء عبر مسارات عالية الاستقرار بأقل قدر من الفقد، يمكن لهذه البلورة الوصفية أن تزيد بشكل كبير من كفاءة الجيل القادم من الألواح الشمسية.
القفزة التجارية في التكنولوجيا الكمومية
يُعد الانتقال من الاعتماد على التبريد العميق إلى التشغيل في درجة حرارة الغرفة هو المحفز الدقيق الذي كانت تنتظره صناعة التكنولوجيا الكمومية. في الوقت الحالي، تجعل البنية التحتية المطلوبة للحفاظ على بيئات الصفر المطلق الحواسيب الكمومية باهظة التكلفة وضخمة الحجم. ومن خلال إثبات إمكانية نقل حالات الضوء الكمومية بقوة في درجة حرارة الغرفة، ينقل هذا البحث التكنولوجيا الكمومية من مجرد ابتكار مختبري إلى أصل تجاري قابل للنشر. علاوة على ذلك، يثبت التوجه نحو تطبيقات الطاقة الشمسية أن المواد الكمومية لن تقتصر على إحداث ثورة في معالجة البيانات فحسب، بل قد تغير جذرياً كيفية التقاطنا للطاقة المادية وتحويلها في العالم الحقيقي.