نجح محرك حراري كمي فائق التوصيل (Superconducting quantum heat engine) في تحويل الحرارة بالقرب من درجة الصفر المطلق إلى عمل ميكانيكي قابل للقياس، في إنجاز تاريخي يدمج بين قوانين الديناميكا الحرارية وميكانيكا الكم. يمهد هذا الابتكار، الذي طوره باحثون في جامعة Aalto، الطريق أمام صناعة الحوسبة الكمية لتوسيع نطاق الأنظمة لتشمل مئات الآلاف من الكيوبتات، دون الاصطدام بعقبات التكلفة الباهظة والضوضاء الحرارية الناتجة عن كابلات الميكروويف التقليدية.
محاكاة دورة أوتو عند الصفر المطلق
يعتمد الجهاز المبتكر على كيوبت ترانسمون (Transmon qubit) - وهو أحد اللبنات الأساسية لمعالجات الكم الحديثة - مقترناً بمرنان وثلاجة دوائر كمية. وعلى عكس المحركات التقليدية التي تتطلب بيئات ساخنة وباردة منفصلة، يستخدم هذا النظام المجهري ثلاجة كمية واحدة قابلة للضبط لتوفير التدفئة والتبريد عند الطلب. وأوضح Tuomas Uusnäkki، الباحث الرئيسي في الدراسة: "قمنا ببناء محرك حراري متناهي الصغر باستخدام دوائر فائقة التوصيل، وشغلناه داخل ناظم بردي بالقرب من الصفر المطلق".
ومن خلال تطبيق نبضات تحكم مبرمجة بدقة، نجح الفريق في تشغيل المحرك وفق دورة أوتو (Otto cycle)، وهي ذات العملية الديناميكية الحرارية التي تشغل محركات السيارات التقليدية. وأضاف Uusnäkki أن "استخدام ثلاجة كمية واحدة يمكن التحكم بها كبيئة ساخنة وباردة في آن واحد يجعل النظام أكثر بساطة وتنوعاً"، مشيراً إلى أن القياسات أكدت أن الحرارة المارة عبر الكيوبت أنتجت عملاً إيجابياً. نُشرت نتائج هذه التجربة رسمياً في دورية Nature Communications.
حل معضلة التوسع في الحوسبة الكمية
يتمثل الهدف المباشر لفريق جامعة Aalto في تطوير هذا التصميم ليصبح محركاً حرارياً مستقلاً بالكامل ومدمجاً مباشرة داخل الدوائر فائقة التوصيل. يمكن استخدام هذه الأجهزة المستقلة لقراءة حالات الكيوبتات محلياً، مما يلغي الحاجة إلى نقل نبضات الميكروويف من بيئات الميلي كلفن شديدة البرودة وصولاً إلى درجة حرارة الغرفة. ومع تضخم حجم الحواسيب الكمية، تصبح البنية التحتية المادية المطلوبة لدعمها عقبة لوجستية ومالية هائلة.
تستهدف الاستراتيجية الوطنية الفنلندية لتكنولوجيا الكم بناء حاسوب كمي يضم ألف كيوبت منطقي بحلول عام 2035، وهو ما يعني على الأرجح الحاجة إلى مئات الآلاف من الكيوبتات المادية. يتطلب تحقيق ذلك بالتقنيات الحالية ملايين كابلات الميكروويف التي تبلغ تكلفة الواحد منها ألف يورو.
- Mikko Möttönen، أستاذ أكاديمي، جامعة Aalto
ومن خلال استبدال هذه الكابلات المكلفة والمسببة للضوضاء بمحركات مستقلة مدمجة في الرقائق، يمكن للمهندسين معالجة القيود المالية والتداخل الحراري غير المرغوب فيه الذي يحد حالياً من توسع الأنظمة الكمية. أُجريت هذه التجربة الرائدة باستخدام البنية التحتية الوطنية الفنلندية OtaNano، بدعم تمويلي من مجلس البحوث الفنلندي والمؤسسة الثقافية الفنلندية.
نهاية عصر كابلات الميكروويف
لا يُعد العرض الناجح لمحرك حراري كمي فائق التوصيل مجرد تجربة فيزيائية مثيرة للاهتمام، بل هو ضرورة هيكلية لمستقبل الحوسبة الكمية. إن النهج الحالي المعتمد على القوة الغاشمة لتوسيع نطاق الأنظمة - والذي يربط كل كيوبت مادي بأنظمة تحكم في درجة حرارة الغرفة عبر كابلات ميكروويف باهظة الثمن - غير مستدام اقتصادياً وحرارياً.
فبتكلفة تصل إلى ألف يورو لكل كابل، سيواجه أي حاسوب يضم مئات الآلاف من الكيوبتات المادية تكاليف أجهزة تعجيزية، حتى قبل حساب طاقة التبريد الهائلة المطلوبة لتبديد الضوضاء التي تدخلها هذه الكابلات. ومن خلال إثبات إمكانية توليد العمل الديناميكي الحراري وإدارته بشكل مستقل على المستوى الكمي، ينقل هذا البحث النموذج المعماري من الاعتماد على التحكم الخارجي إلى الاكتفاء الذاتي داخل الرقاقة.
وإذا أمكن إنتاج هذه المحركات بكميات تجارية وبموثوقية عالية، فإنها ستغير جذرياً بنية مراكز البيانات الكمية المستقبلية. هذا الاختراق الديناميكي الحراري يجعل هدف الوصول إلى ألف كيوبت منطقي بحلول عام 2035 تحدياً هندسياً واقعياً بدلاً من كونه عبئاً مالياً مستحيلاً.