تواجه الحوسبة الكمومية في الكيمياء، والتي طالما اعتُبرت أداة ثورية لتطوير الأدوية والزراعة، تدقيقاً علمياً مكثفاً في الوقت الحالي. فقد كشف تحليل رياضي جديد أن اثنتين من أبرز الخوارزميات الكمومية المصممة لحساب مستويات الطاقة الجزيئية قد تقدمان فائدة عملية محدودة للغاية، حتى مع تطور الأجهزة الكمومية. ويتحدى هذا الاكتشاف السردية السائدة في الصناعة بأن الأنظمة الكمومية ستجعل حسابات الكيمياء الكلاسيكية عتيقة الطراز على الفور.
لسنوات عديدة، تم الترويج لحساب السلوك المعقد للإلكترونات في الجزيئات كأفضل حالة استخدام لأجهزة الكمبيوتر الكمومية. ومع ذلك، أثبت باحثون بقيادة العالم Xavier Waintal في معهد CEA Grenoble في فرنسا أن الطريق إلى الأمام محفوف بعقبات رياضية وتقنية أساسية. وأشار الباحث Waintal إلى أن احتمالية استخدام أجهزة الكمبيوتر الكمومية لحسابات الطاقة الجزيئية القياسية "محكوم عليها بالفشل على الأرجح".
قسّم فريق البحث تحليلهم إلى حقبتين متميزتين من التكنولوجيا الكمومية: الأنظمة الحالية المعرضة للأخطاء، والآلات المستقبلية المتسامحة مع الأخطاء. بالنسبة لأجهزة الكمبيوتر الكمومية الصاخبة الحالية، يعتمد الكيميائيون على خوارزمية VQE (Variational Quantum Eigensolver). ووجد التحليل أنه لكي تنافس خوارزمية VQE دقة أجهزة الكمبيوتر التقليدية، يجب قمع الضوضاء الكمومية إلى درجة قصوى بحيث تصبح الأجهزة متسامحة مع الأخطاء بالكامل، وهو إنجاز لم تحققه أي شركة حتى الآن.
بالنظر إلى المستقبل، تهدف العديد من شركات التكنولوجيا إلى بناء أجهزة كمبيوتر كمومية متسامحة مع الأخطاء في غضون خمس سنوات. ستستخدم هذه الأنظمة المتقدمة خوارزمية QPE (Quantum Phase Estimation)، والتي تقضي إلى حد كبير على المشكلات المتعلقة بالأخطاء. ومع ذلك، حدد الباحثون مشكلة تحجيم حرجة تُعرف باسم "كارثة التعامد" (Orthogonality Catastrophe).
فمع زيادة حجم الجزيئات، ينخفض احتمال نجاح خوارزمية QPE في حساب أدنى مستوى طاقة لها بشكل كبير. وأكد الباحث Thibaud Louvet، من شركة الحوسبة الكمومية الفرنسية Quobly، أنه حتى مع وجود أجهزة كمومية خالية من العيوب، ستكون خوارزمية QPE الخيار العملي الأفضل في نسبة صغيرة فقط من الحالات. ويقترح الباحث Louvet أن القدرة على تشغيل هذه الخوارزمية يجب أن يُنظر إليها كمعيار لنضج الأجهزة بدلاً من كونها أداة يومية للكيميائيين العاملين.
على الرغم من هذه الانتكاسات، فإن حلم الكيمياء الكمومية لم يمت تماماً. حذر العالم George Booth في جامعة King’s College London، والذي راجع النتائج المنشورة في دورية Physical Review B، من المبالغة في تقدير التأثير الفوري للتكنولوجيا على المحاكاة الجزيئية. ومع ذلك، أشار الباحث Booth إلى أن أجهزة الكمبيوتر الكمومية لا يزال بإمكانها التفوق في تطبيقات كيميائية أخرى، مثل محاكاة كيفية تفاعل الأنظمة الكيميائية ديناميكياً عند تعرضها لاضطرابات خارجية مثل ضوء الليزر.
رأيي التقني: التحول من المحاكاة الكمومية الثابتة إلى الديناميكية
يُعد الكشف عن أن "كارثة التعامد" تقلل بشكل كبير من فعالية خوارزمية QPE على الجزيئات الكبيرة بمثابة اختبار واقعي حاسم لصناعة الكم. فبينما تتسابق الشركات نحو هدف الخمس سنوات لإنتاج أجهزة متسامحة مع الأخطاء، تثبت هذه الدراسة أن القوة الحسابية الخام لا يمكنها تجاوز الاختناقات الرياضية الأساسية.
وبدلاً من استبدال أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية في حسابات طاقة الحالة الأرضية الثابتة، من المرجح أن يتحول "التطبيق الثوري" الحقيقي للكيمياء الكمومية نحو عمليات المحاكاة الديناميكية غير المتوازنة، مثل تتبع تفاعلات الضوء والمادة في الوقت الفعلي. يجب على المستثمرين وشركات الأدوية إعادة معايرة توقعاتهم؛ حيث ستكون أجهزة الكمبيوتر الكمومية معالجات مساعدة متخصصة للغاية، وليست عصا سحرية تحل جميع تحديات النمذجة الجزيئية على الفور.
الأسئلة الشائعة
ما هي خوارزمية VQE في الحوسبة الكمومية؟
خوارزمية VQE هي خوارزمية مصممة لحساب مستويات الطاقة الجزيئية على أجهزة الكمبيوتر الكمومية الحالية المعرضة للأخطاء (الصاخبة). ومع ذلك، تظهر الدراسات الحديثة أنها تتطلب أجهزة شبه متسامحة مع الأخطاء لمنافسة أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية.
ما هي كارثة التعامد (Orthogonality Catastrophe)؟
هي مشكلة تحجيم رياضية حيث ينخفض احتمال نجاح خوارزمية QPE في حساب أدنى مستوى طاقة للجزيء بشكل كبير ومطرد كلما زاد حجم الجزيء.
هل ستظل أجهزة الكمبيوتر الكمومية مفيدة في الكيمياء؟
نعم، ولكن من المرجح أن يكون دورها أكثر تخصصاً. فبدلاً من حسابات الطاقة الأساسية، قد يتم استخدامها لمحاكاة التغيرات الكيميائية الديناميكية، مثل كيفية تفاعل الجزيئات عند ضربها بأشعة الليزر.