Breaking News
القائمة
Advertisement

التقلبات الكمومية تكسر قواعد تناظر البلورات وتفتح باب التحكم البصري

التقلبات الكمومية تكسر قواعد تناظر البلورات وتفتح باب التحكم البصري

يُعد التناظر بمثابة الدستور الخفي للعالم الطبيعي، حيث يفرض قواعد صارمة تحدد كيفية تحرك الذرات والإلكترونات، ويمنع تفاعل اهتزازات جماعية معينة مع بعضها البعض. لكن دراسة رائدة كشفت أن التقلبات الكمومية (Quantum fluctuations) قادرة على كسر هذه الحدود الجامدة، مما يخلق جسراً ديناميكياً بين حركات ذرية كانت معزولة سابقاً. يقدم هذا الاكتشاف طريقة ثورية للتحكم في الحالات الكمومية المحورية الحديدية (Ferroaxial quantum states) باستخدام الضوء، متجاوزاً الحاجة التقليدية للمجالات المغناطيسية.

بالنسبة لعلماء فيزياء المادة المكثفة ومهندسي الحوسبة الكمومية، يفتح هذا الاختراق مساراً عملياً لمعالجة المواد الكمومية المعقدة في درجة حرارة الغرفة. ومن خلال إثبات قدرة نبضات الليزر فائقة السرعة على ضبط هذه التفاعلات، تقدم الأبحاث خطوة حاسمة نحو تطوير أجهزة كمومية فائقة السرعة تعتمد على الضوء، ولا تتطلب بيئات تبريد قاسية.

نُشرت الدراسة في مجلة Nature Physics، وقادها فريق إدواردو بالديني في جامعة تكساس في أوستن (UT Austin) ومعهد ماكس بلانك لهيكلية وديناميكيات المادة (MPSD) في هامبورغ. ركز الباحثون على مادة طبقية تشكل حالة كمومية غير عادية في درجة حرارة الغرفة. في هذه الحالة، تعيد الأيونات والإلكترونات تنظيم نفسها في ترتيب ثابت يشبه الموجة يُسمى موجة كثافة الشحنة (Charge-density wave)، والذي يظهر بصرياً كنمط من العناقيد على شكل نجمة داود.

يمكن أن تتجه هذه العناقيد في اتجاهين مختلفين، مما يمنح البلورة اتجاهاً داخلياً يُعرف باسم الحلزونية المستوية. ونظراً لأن هذا الترتيب المحوري الحديدي لا يستجيب مباشرة للمجالات الكهربائية أو المغناطيسية، فقد كان من الصعب جداً فحصه تاريخياً. ومع ذلك، يمكن لعناقيد نجمة داود أن تتحرك معاً في اهتزاز جماعي يُعرف باسم السعة الاهتزازية (Amplitudon)، والذي يغير بشكل دوري من قوة موجة كثافة الشحنة.

تعمل السعة الاهتزازية كجسر رنيني بين اهتزازات ذات تناظر مختلف، لتربط الطاقة المنخفضة للحركات الذرية بالطاقة الأعلى للقطاع الإلكتروني.

- إميل فينياس بوستروم، مُنظّر فيزيائي، معهد MPSD

للتحقيق في كيفية تأثير هذا التذبذب على البلورة، استخدم الفريق طريقة متخصصة للغاية لتشتت الضوء. قاموا بتتبع كيفية استجابة اهتزازات البلورة للضوء ذي الحلزونية المحددة بدقة، مما يعني أن الاستقطاب (Polarization) يدور إما في اتجاه عقارب الساعة أو عكسها. واكتشفوا أن بعض الاهتزازات استجابت بشكل أقوى بكثير عندما تطابق اتجاه الضوء مع اتجاه البلورة.

وأوضحت شينيو بينغ، طالبة الدراسات العليا في جامعة تكساس، أنه "من خلال مراقبة استجابة الاهتزازات للضوء المستقطب دائرياً يميناً ويساراً، يمكننا رؤية اتجاه موجة كثافة الشحنة ورسم خريطة للنطاقات المحورية الحديدية الفردية". ومن خلال تعديل درجة الحرارة، قام الفريق بمحاذاة طاقة اهتزاز البلورة العادي مع طاقة السعة الاهتزازية، وهو ما أدى إلى ربط اهتزازات البلورة التي كان التناظر سيبقيها منفصلة في العادة، وفقاً للمؤلف الرئيسي فرانشيسكو بارانتاني.

ولحساب هذه النتائج غير المسبوقة، قام باحثون في مجموعة أنجيل روبيو في معهد MPSD ببناء نظرية مجهرية بالتعاون مع لارا بنفاتو في جامعة سابينزا في روما. علاوة على ذلك، دعمت تجارب إضافية أجرتها مجموعة مايكل روبهاوزن في جامعة هامبورغ قوة هذا النموذج. يمكن الاطلاع على النتائج الكاملة عبر المعرف DOI: 10.1038/s41567-026-03241-3.

القفزة البصرية للمواد الكمومية

تكمن الأهمية الكبرى لهذا البحث في بيئة التشغيل الخاصة به: درجة حرارة الغرفة. غالباً ما تتطلب الحالات الكمومية التقليدية درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق ومجالات مغناطيسية ضخمة ومستهلكة للطاقة للحفاظ على استقرارها والسماح بمعالجتها. ومن خلال إثبات أن التعديل الرنيني الحلزوني يعمل بفعالية في درجة حرارة الغرفة، تنقل هذه الدراسة عملية معالجة المواد الكمومية من مختبرات التبريد شديدة التحكم إلى التطبيقات العملية في العالم الحقيقي.

علاوة على ذلك، فإن التحول من التحكم المغناطيسي إلى التحكم البصري يفتح الباب أمام التبديل الكمومي فائق السرعة. يمكن لنبضات الليزر أن تعمل بسرعات الفيمتو ثانية، متجاوزة بكثير القيود الفيزيائية لتعديل المجال المغناطيسي. وإذا تمكن المهندسون من ضبط نبضات الليزر فائقة السرعة هذه بشكل موثوق على طاقات محددة لتشغيل التفاعلات التي يمنعها التناظر عادةً، فقد يؤدي ذلك إلى تسريع تطوير الجيل القادم من المعالجات الكمومية البصرية والمستشعرات المتقدمة بشكل جذري.

هل أعجبك هذا المقال؟
Advertisement

عمليات البحث الشائعة