محتويات المقال
مذابح التطهير الكورية: صراع السلطة والدم في مملكة جوسون
شهدت مملكة "جوسون" الكورية، وتحديداً خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، سلسلة من الاضطرابات السياسية العنيفة عُرفت تاريخياً باسم "مذابح التطهير" أو (سا هوا - Sahwa). كانت هذه الأحداث بمثابة عمليات إقصاء وإبادة ممنهجة طالت علماء ونخبة حزب "سارم" (Sarim) السياسي، وذلك على يد خصومهم السياسيين من فصيل "هونغو" (Hungu) المسيطرين على البلاط الملكي آنذاك.
جذور الصراع: بين "سارم" و"هونغو"
بدأت بذور الشقاق تنمو مع ظهور فصيل "سارم"، وهم مجموعة من العلماء الذين تتلمذوا في المدارس الكونفوشيوسية الجديدة، مفضلين في البداية العزلة الريفية والابتعاد عن صخب البلاط الملكي. إلا أنهم سرعان ما دخلوا المعترك السياسي كقوة إصلاحية، ونجحوا في السيطرة على مناصب حساسة في الدولة، أبرزها:
-
مكتب الرقابة (Censorate).
-
مكتب المفتش العام.
-
مكتب المستشارين الخاص.
من خلال هذه المناصب،، بدأ علماء "سارم" في توجيه انتقادات لاذعة للفساد المستشري، ومراقبة سلوك الملك والوزراء، مما وضعهم في صدام مباشر مع فصيل "هونغو" المحافظ (نخبة الاستحقاق) والملك "سيجو" في فترات سابقة.
التسلسل الزمني للمذابح الأربع
تصاعد التوتر السياسي ليتحول إلى حمام دم عبر أربع مذابح رئيسية امتدت من عام 1498م حتى 1545م، وكانت كالتالي:
1. المذبحة الأولى (مذبحة مو-أو 1498م)
اندلعت الشرارة الأولى في عهد الملك "يونسان غون" (Yeonsangun). بدأت الأزمة عندما قام "كيم إل سون" (من فصيل سارم) بتضمين سجلات تاريخية تنتقد اغتصاب الملك السابق "سيجو" للعرش. استغل فصيل "هونغو"، بقيادة "يي كوك دون" (الذي اتهمه سارم بالفساد)، هذه السجلات كذريعة لإثارة غضب الملك "يونسان". عُقدت المحاكمات، وفُتحت السجلات التاريخية، وانتهى الأمر بإعدام العديد من علماء سارم ونفي آخرين بتهمة الخيانة وعدم الولاء.
2. المذبحة الثانية (مذبحة كاب-شا 1504م)
لم تتوقف دموية الملك "يونسان غون" عند المذبحة الأولى. ففي عام 1504م، شن حملة تطهير أوسع وأكثر وحشية طالت فصيلي "سارم" و"هونغو" على حد سواء. كان الدافع هذه المرة شخصياً وانتقامياً، حيث اكتشف الملك تفاصيل مأساوية حول إعدام والدته (الملكة المخلوعة يون) وقرر تصفية كل من كان له صلة بذلك الحدث، مما أسفر عن إعدامات جماعية وفوضى عارمة في البلاط. انتهت هذه الحقبة المظلمة بخلع الملك "يونسان" عام 1506م من قبل المسؤولين المتمردين.
3. المذبحة الثالثة (مذبحة كيم-يو 1519م)
في عهد الملك "جونغ جونغ"، عاد فصيل "سارم" للظهور بقوة بقيادة المصلح "جو غوانغ جو". إلا أن إصلاحاتهم الجذرية ومحاولتهم تجريد فصيل "هونغو" من امتيازاتهم أثارت حفيظة المحافظين. دُبرت مؤامرة دنيئة (عُرفت بحادثة الأوراق التي كُتب عليها بالعسل "جو سيصبح ملكاً") لإقناع الملك بأن "سارم" يخططون لانقلاب. أدى ذلك إلى إعدام "جو غوانغ جو" وأنصاره، ووأد حركة الإصلاح مؤقتاً.
4. المذبحة الرابعة (مذبحة أول-سا 1545م)
تُعد هذه المذبحة من أكثر الفصول دموية، ونتجت عن صراع على الخلافة بين أقارب الملكة (الأخوال) من فصائل مختلفة (يون الكبير ويون الصغير). راح ضحية هذا الصراع السلطوي عدد هائل من علماء الكونفوشيوسية والمسؤولين، مما ترك ندوباً عميقة في التاريخ السياسي لكوريا.
الخاتمة
رغم القمع الوحشي والمذابح المتتالية، لم يختفِ فصيل "سارم" من المشهد. بل على العكس، تمكنوا في النهاية من البقاء والهيمنة على السياسة الكورية في أواخر عهد مملكة جوسون، ليصبحوا القوة الفكرية والسياسية الرئيسية التي شكلت هوية كوريا لقرون لاحقة.