مع اقتراب تقنية الاندماج النووي (Nuclear Fusion) من مرحلة الجدوى التجارية، قد لا تكون العقبة الكبرى متمثلة في فيزياء البلازما، بل في الرأي العام. وتكشف دراسة حديثة أن ضمان القبول العام لطاقة الاندماج النووي يتطلب تحولاً جذرياً من الاستطلاعات التقليدية إلى النمذجة الاجتماعية القائمة على البيانات. وقد اكتشف الباحثون أن الموقف العام للفرد تجاه التحولات التقنية المستقبلية هو المؤشر الأقوى لتحديد ما إذا كان سيدعم شبكة طاقة تعتمد على الاندماج.
نُشرت الدراسة في دورية Scientific Reports، وقادها علماء من المعهد الكوري لمعلومات العلوم والتكنولوجيا (KISTI) والمعهد الكوري للاندماج النووي (KFE). ويؤكد الفريق البحثي أن دمج بيانات الإدراك الاجتماعي مباشرة في عملية التصميم الهندسي بات أمراً بالغ الأهمية لضمان التنفيذ المستدام لأنظمة طاقة الاندماج.
رسم خريطة العقلية المجتمعية
لفهم الديناميكيات الاجتماعية المؤثرة، أجرى الباحثون استطلاعاً شمل 1,000 مواطن كوري جنوبي باستخدام إطار عمل يستند إلى نظرية التوجه المستقبلي (Future Orientation Theory). وبدلاً من مجرد سؤال المشاركين عما إذا كانوا يؤيدون الاندماج النووي، صنفت الدراسة المواقف العامة عبر ثلاثة محاور محددة: التوجه الاجتماعي، وجدوى الرؤية، ونية المشاركة. وأتاح هذا النهج للفريق تحديد ثمانية ملفات مفاهيمية متميزة، تم رسمها تجريبياً في ثلاث مجموعات رئيسية تعتمد على البيانات.
وكشفت البيانات عن انقسام حاد في كيفية نظر الشرائح المختلفة من السكان إلى هذه التقنية:
- الاستراتيجيون والحالمون: أظهرت هذه المجموعات مواقف إيجابية ساحقة، حيث تجاوزت معدلات القبول نسبة 80%. ويمتلك هؤلاء عادةً فهماً قوياً للتقنيات المتقدمة، ويحافظون على نظرة نشطة ومتفائلة تجاه التغيرات الاجتماعية المستقبلية.
- المتشككون: أظهرت هذه المجموعة معدل قبول أقل بكثير بلغ حوالي 37%، مما يسلط الضوء على فجوة حرجة في الثقة والفهم التقني.
وتؤكد النتائج وجود ارتباط قوي بين الفهم الأوسع للتقنيات المتقدمة والنظرة الإيجابية تجاه الاندماج النووي. وببساطة، فإن الأشخاص الذين يتقبلون التطور التقني السريع هم أكثر عرضة لتقبل تعقيدات النجوم الاصطناعية التي ستشغل مدنهم.
خارطة طريق المشاركة الذكية
إدراكاً منهم بأن استراتيجية التواصل الموحدة لن تنجح مع الجميع، اقترح الباحثون خارطة طريق للمشاركة الذكية (Intelligent Engagement Roadmap). ويوفر هذا الإطار استراتيجيات تواصل محسّنة وموجهة خصيصاً لكل ملف نفسي. ومن خلال معالجة المخاوف الفريدة لمجموعة المتشككين مع استثمار حماس شريحة الحالمين، يمكن لصناع السياسات بناء أساس أكثر صلابة للثقة العامة.
الهندسة الاجتماعية للاندماج النووي
لعقود من الزمن، ركز مجتمع الاندماج النووي بشكل مكثف على تحقيق مكاسب صافية من الطاقة واستقرار البلازما فائقة الحرارة. ومع ذلك، تسلط هذه الدراسة الضوء على نقطة عمياء بالغة الخطورة: الكمال التقني لا يعني شيئاً إذا رفض الجمهور تبني التقنية. ويُعد معدل القبول البالغ 37% بين المتشككين بمثابة جرس إنذار واضح بأن الاندماج النووي قد يواجه نفس العقبات التنظيمية والاجتماعية المسببة للشلل والتي طالما عانت منها تقنية الانشطار النووي (Nuclear Fission) التقليدية.
ومن خلال إثبات أن القبول العام لطاقة الاندماج النووي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمحو الأمية التقنية العامة، تفرض هذه الأبحاث تفويضاً واضحاً على الصناعة. إذ يجب على الشركات الناشئة في مجال الطاقة والوكالات الحكومية الاستثمار بكثافة في التثقيف العام والمشاركة الاجتماعية الموجهة، تماماً كما تستثمر في المغناطيسات فائقة التوصيل. فإذا لم يتمكن الجمهور من تخيل المستقبل، فلن يسمحوا ببنائه.