لعقود طويلة، كان التقدم المستمر للزمن قاعدة لا مفر منها في الفيزياء الكلاسيكية، لكن العالم الكمي المجهري يخضع لقواعد مختلفة تماماً. نجح باحثون في تطوير بروتوكولات تحكم كمية قادرة على قمع أو تمديد أو حتى عكس "سهم الزمن" الظاهري لنظام كمي، مما يجعله يتصرف وكأن الزمن يتدفق إلى الوراء. لا يتحدى هذا الاختراق فهمنا الأساسي للفيزياء فحسب، بل يقدم طريقة مبتكرة لاستخراج طاقة قابلة للاستخدام مباشرة من الحالات الكمية.
نُشرت الدراسة في 19 فبراير 2026 في دورية Physical Review X، وأعدها عالم الفيزياء لويس بيدرو غارسيا-بينتوس بالتعاون مع الباحثين يي-كاي ليو وأليكسي في. غورشكوف. استفاد الفريق من حقيقة أن العديد من المعادلات التي تحكم ميكانيكا الكم تتميز بالتناظر، مما يعني أنها تعمل بكفاءة متساوية سواء تحرك الزمن للأمام أو للخلف. ومن خلال الدمج الدقيق للقياسات، وحلقات التغذية الراجعة، ومجالات التحكم المخصصة، هندس العلماء ديناميكيات كمية غير عادية تغير النظام المراقب بشكل نشط.
على عكس الظواهر التي نلاحظها حولنا، فإن معظم القوانين الأساسية للفيزياء على المستوى المجهري تعتبر الحركة للأمام والخلف في الزمن أمراً ممكناً فيزيائياً. بالنسبة للأنظمة الكمية، تتيح لنا الأدوات التي صممناها التلاعب بسهم الزمن الظاهري، مما يفتح طرقاً مبتكرة ومفاجئة للتحكم في هذه الأنظمة.
- لويس بيدرو غارسيا-بينتوس، عالم فيزياء، مختبر لوس ألاموس الوطني
تطبيق كمي لتجربة شيطان ماكسويل
في الفيزياء الكلاسيكية، نادراً ما تؤثر مراقبة النظام على حالته الفيزيائية. ومع ذلك، في ميكانيكا الكم، يمكن لعملية القياس ذاتها أن تغير النظام عشوائياً، وهي ظاهرة تساهم عادةً في ترسيخ سهم الزمن المتجه للأمام. ولمواجهة ذلك، صمم فريق البحث "هاميلتونيان التحكم" (Control Hamiltonian) - وهو تسلسل مبرمج بدقة من الحقول والنبضات يحاكي تأثيرات هذه القياسات. عند دمج هذا الهاميلتونيان في عملية تغذية راجعة، تمكن الفريق من إلغاء أو تعزيز أو تصحيح الاضطرابات الناتجة عن القياس.
يحول هذا التلاعب التجربة الفكرية الشهيرة من القرن التاسع عشر المعروفة باسم "شيطان ماكسويل" (Maxwell’s demon) إلى حقيقة واقعة. في المفهوم الأصلي، يقوم شيطان نظري بتوجيه الجزيئات الساخنة والباردة لتقليل الإنتروبيا، مما يبدو وكأنه انتهاك للقانون الثاني للديناميكا الحرارية. تستخدم النسخة الكمية التي ابتكرها فريق مختبر لوس ألاموس معلومات حول حالة النظام ونتائج القياس لدفع عمليات مشابهة. ومن خلال عكس سهم الزمن المعتاد، ابتكروا محركاً يعمل بالقياس قادراً على استخراج الطاقة بمجرد مراقبة النظام.
الكيوبتات فائقة التوصيل والاختبارات المستقبلية
تُحدث الأدوات التي طورها الباحثون تغييراً جذرياً في كيفية انتقال الطاقة من وإلى البيئة الكمية. ونظراً لأنه يمكن الآن التعامل مع القياسات الكمية كمورد ديناميكي حراري، يمكن نظرياً استخدام الطاقة المستخرجة لتشغيل عمليات ثانوية أو تخزينها في بطارية كمية. يضع هذا البحث، المدعوم من وزارة الطاقة الأمريكية ومؤسسة العلوم الوطنية، الأساس لإدارة طاقة عالية الكفاءة على المستوى الذري.
ستركز الجهود المستقبلية على إجراء اختبارات تجريبية لعمليات قياس الهاميلتونيان للتحكم في التغذية الراجعة الكمية. يخطط الفريق لاستخدام الكيوبتات فائقة التوصيل (Superconducting qubits)، وهي منصة أجهزة تدعم التغذية الراجعة السريعة للغاية والكشف عالي الكفاءة. أثبتت هذه المنصة بالفعل جدواها في إثبات النسخ الكمية السابقة من "شيطان ماكسويل"، مما يجعلها ساحة الاختبار المثالية لبروتوكولات عكس الزمن الجديدة.
الإمكانات الديناميكية الحرارية للتلاعب بالزمن
لا يتعلق هذا الاكتشاف بصنع آلة زمن من الخيال العلمي؛ بل يمثل قفزة عميقة نحو كفاءة الطاقة على المستوى الذري. من خلال إثبات إمكانية تحويل القياسات الكمية إلى مورد ديناميكي حراري ملموس، اقترح الباحثون دون قصد حلاً جذرياً لواحدة من أهم العقبات في مجال الحوسبة الكمية (Quantum Computing) الحديثة: الاستهلاك الهائل للطاقة ومتطلبات التبريد المعقدة.
إذا تمكنت المعالجات الكمية المستقبلية من إعادة تدوير الاضطرابات الناتجة عن قياسات حالتها بشكل نشط - محولةً المراقبة فعلياً إلى مصدر للطاقة - فقد يقلل ذلك بشكل كبير من الطاقة الخارجية المطلوبة للحفاظ على استقرار الكيوبتات. ينقل هذا التحول مفهوم عكس الزمن من مجرد نقاش فيزيائي نظري إلى أداة هندسية عملية، مما قد يسرع الجدول الزمني لبناء معماريات كمية قابلة للتوسع ومستقلة في استهلاكها للطاقة.