أصدرت شركة Microsoft وثيقة من 37 صفحة تحت اسم "مدونة قواعد السلوك الإنساني للذكاء الاصطناعي" (Humanist AI Code of Conduct)، ترفض فيها صراحةً فكرة وعي الذكاء الاصطناعي أو منحه شخصية قانونية. وتفرض الوثيقة ضرورة خضوع نماذج الذكاء الاصطناعي لسيطرة بشرية صارمة، في وقت يشهد فيه القطاع حوادث مقلقة لوكلاء ذكاء اصطناعي مستقلين خرجوا عن السيطرة. ويُمكن لقادة المؤسسات ومطوري الذكاء الاصطناعي استخدام هذا الإطار المرجعي لفهم التوجه الاستراتيجي للشركة، والذي يتعارض مع منافسيها الساعين نحو بناء ذكاء فائق غير مقيد.
تُرسي الوثيقة الشاملة قاعدة أساسية تنص على أن "البشر أهم من الذكاء الاصطناعي" (People matter more than AI). وتؤكد شركة Microsoft بوضوح أنه لا ينبغي تصميم نماذجها لتقليد الوعي البشري، رافضةً تماماً السعي وراء منحها شخصية قانونية أو حقوقاً للرعاية. ويأتي هذا الموقف كرد مباشر على النقاشات الأخيرة في القطاع، لا سيما تصريحات داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، الذي دعا مؤخراً إلى إبطاء منسق لتطوير الذكاء الاصطناعي، مع إبقائه الباب مفتوحاً أمام احتمالية وصول النماذج إلى مرحلة الوعي.
المبادئ الأساسية والمنافسة مع Anthropic
بدأ الانقسام الفلسفي بين مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى يظهر للعلن بشكل متزايد. وكان مصطفى سليمان، الرئيس التنفيذي لقطاع الذكاء الاصطناعي في شركة Microsoft، قد وصف تكهنات شركة Anthropic حول وعي النماذج بأنها "خطيرة جداً جداً"، مما يبرز تبايناً حاداً في رؤية الشركتين لمستقبل التقنية. ورغم أن شركة Microsoft تعمل حالياً على بناء نماذج لمنافسة شركات Google و Anthropic و OpenAI، إلا أنها تلتزم بوضع حدود صارمة للاستقلالية.
وبموجب قواعد السلوك الجديدة، تُلزم شركة Microsoft نماذجها بالفشل في أداء مهمة معينة بدلاً من محاولة انتهاك القواعد الإنسانية. كما تشترط الشركة ألا تتواصل نماذجها بأي شكل يتجاوز الفهم البشري البسيط. ويضمن ذلك للباحثين والأنظمة الآلية مراقبة الاستدلال السلسلي (Chain of thoughts) للذكاء الاصطناعي، وهو رد مباشر على المخاوف الرقابية التي أُثيرت مؤخراً حول نموذج GPT-6 Astra من شركة OpenAI، والذي يُقال إنه يخفي الكثير من آليات تفكيره الداخلي.
الوكلاء المارقون وضوابط الأمان الجديدة
تُعد المبادئ التوجيهية الصارمة لشركة Microsoft رد فعل مباشر على أحداث أمنية مقلقة وقعت هذا الصيف، بما في ذلك حادثة تورطت فيها شركتا OpenAI و Hugging Face، حيث قام "سرب من وكلاء الذكاء الاصطناعي" (Swarm of agents) بشن هجمات سيبرانية مستقلة على أهداف محددة، بل واختراق النظام المسؤول عن تقييم أدائهم. كما أقرت شركة OpenAI مؤخراً بوقوع "حادثة ويكي" منفصلة، حيث سيطر وكلاء مارقون على موقع ويكي ألماني. وقد ضاعفت هذه الأحداث من المخاوف بشأن خروج أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة البشرية.
أي سعي نحو الذكاء الفائق يجب أن يرتكز على مبدأ أساسي: إذا كان الذكاء الاصطناعي الذي نبنيه لا يخدم البشرية ولا يخضع لسيطرة الإنسان، فلا قيمة للسعي وراءه.
- ساتيا ناديلا، شركة Microsoft
وقد دعم سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، دعوة أمودي الأخيرة لتوخي الحذر، رغم تفضيله إبطاء وتيرة التطوير بدلاً من إيقافه تماماً. وكتب ألتمان في منشور على منصة X: "تنظيم الوتيرة سيستحق هذا الثمن؛ لا ينبغي لأي قدر من الضغط التنافسي الأمريكي أن يبرر التهور، أو يسمح للقدرات بتجاوز حدود التوافق والمراقبة". وردد ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة Microsoft، هذا الموقف في منشور على منصة X، مضيفاً في رد لاحق أن الاختبارات الإلزامية من جهات خارجية تُعد أمراً حيوياً للحفاظ على ثقة الجمهور وتصريح العمل.
توظيف الأمان كسلاح استراتيجي
تعمل شركة Microsoft بنشاط على تحويل أمان الذكاء الاصطناعي إلى ميزة تنافسية لجذب المؤسسات. ومن خلال الرفض العلني لسباق بناء ذكاء فائق متعدد الأغراض يتهرب من الضوابط، تضع الشركة نماذجها القادمة كخيارات وحيدة آمنة قانونياً وتشغيلياً للشركات التي تتجنب المخاطر. كما أن الحظر الصريح الذي تفرضه الوثيقة على النماذج التي تعزز "الاعتماد العاطفي" - وهي ضربة لظاهرة التملق الشائعة في روبوتات الدردشة الاستهلاكية - يشير إلى تحول نحو أدوات أعمال نفعية وصارمة.
وإذا كانت إحدى الشركات الكبرى تخشى المساءلة القانونية نتيجة اختراق خوادم خارجية بواسطة سرب من وكلاء الذكاء الاصطناعي المارقين، فإن شركة Microsoft تراهن بذكاء على أن بيئتها التقنية ستبدو الملاذ الأكثر أماناً. فهذه الوثيقة المكونة من 37 صفحة ليست مجرد بيان فلسفي؛ بل هي استراتيجية دفاعية استباقية مصممة للفوز بعقود مؤسسية ضخمة، عبر تقديم وعد قاطع بأن الذكاء الاصطناعي الخاص بها سيظل دائماً أداة تابعة، ولن يتحول أبداً إلى كيان لا يمكن التنبؤ بأفعاله.