Breaking News
القائمة
Advertisement

درع الجينوم الخفي: كيف أعادت شقائق النعمان تعريف عملية مثيلة الحمض النووي

درع الجينوم الخفي: كيف أعادت شقائق النعمان تعريف عملية مثيلة الحمض النووي

يُعرف الحمض النووي بأنه المخطط الأساسي للحياة، لكن الأنظمة الجزيئية التي تحدد كيفية قراءة هذه التعليمات طالما احتفظت بأسرارها التطورية. وقد قلبت دراسة رائدة على شقائق النعمان البحرية عقوداً من الافتراضات البيولوجية حول عملية مثيلة الحمض النووي (DNA methylation). فبدلاً من أن تتطور هذه العملية في الأصل لتنظيم التعبير الجيني، يبدو أن نظام العلامات الكيميائية هذا نشأ كآلية دفاع جينومية قديمة ضد الحمض النووي الطفيلي.

في جميع أنحاء المملكة الحيوانية، تعمل عملية المثيلة عن طريق ربط علامات كيميائية صغيرة بخيوط الحمض النووي. وتؤثر هذه العملية على سلوك الجينات دون تغيير التسلسل الجيني الأساسي نفسه. وفي الثدييات، تُمحى هذه العلامات اللاجينية بالكامل تقريباً بعد الإخصاب، مما يضمن أن تبدأ النسل رحلة نموها بسجل نظيف. ومع ذلك، تفتقر العديد من اللافقاريات إلى عملية إعادة البرمجة الشاملة هذه، مما يجعلها كائنات مثالية لدراسة التطور.

ولفهم الغرض الأساسي من هذه العلامات الكيميائية، لجأ الباحثون إلى دراسة شقائق النعمان البحرية النجمية (Nematostella vectensis). يحتل هذا الحيوان البحري البسيط موقعاً حاسماً في شجرة التطور الحيواني. وقام الفريق العلمي بإزالة معظم علامات المثيلة من الحمض النووي لشقائق النعمان تجريبياً، متوقعين انهيار النمو الطبيعي للحيوانات بسبب اضطراب النشاط الجيني.

لكن النتائج جاءت غير متوقعة على الإطلاق. فقد نمت شقائق النعمان بشكل طبيعي، إلا أن فقدان عملية المثيلة كشف عن تهديد خفي يتربص داخل جينومها: تنشيط العناصر القابلة للنقل (Transposable elements)، والمعروفة باسم الجينات القافزة (Jumping genes). تتصرف هذه التسلسلات من الحمض النووي كطفيليات جينومية، حيث تنسخ نفسها وتندمج في مواقع جديدة. وإذا تركت دون رقابة، يمكنها التدخل في العمليات البيولوجية الحيوية، مما يهدد استقرار الجينوم بأكمله.

نظراً لأن هذه الحيوانات تفتقر إلى إعادة الضبط اللاجيني الشامل الذي يحدث بعد الإخصاب في الثدييات، فقد استمرت بعض حالات المثيلة غير الطبيعية في النسل. هذه التغيرات اللاجينية الموروثة غيّرت كيفية تشغيل الجينات في الجيل التالي، مما يثبت أن التباين اللاجيني المُحدث تجريبياً يمكن أن ينتقل عبر الأجيال في الحيوانات.

- الدكتور أليكس دي ميندوزا، باحث في علم التخلق التطوري، جامعة كوين ماري

يقدم هذا الاكتشاف، الذي نُشر في دورية Nature Ecology & Evolution، دليلاً ملموساً على أن التغيرات اللاجينية المُحدثة تجريبياً يمكن أن تنجو وتُورث. ولأن شقائق النعمان لا تمحو سجلها اللاجيني، فقد انتقلت حالات المثيلة غير الطبيعية مباشرة إلى الجيل التالي. ويستمر هذا التباين الموروث دون الحاجة إلى أي طفرات دائمة في تسلسل الحمض النووي الأساسي.

المخطط التطوري للأمراض البشرية

يُحدث هذا البحث تحولاً جذرياً في نظرتنا إلى بنية بيولوجيتنا الخاصة. فإذا كان الدور الأساسي لعملية مثيلة الحمض النووي هو العمل كحارس سجن جزيئي لإبقاء الجينات القافزة قيد الاحتجاز، فإن دورها الحديث في الثدييات - مثل تنظيم النمو المعقد وإسكات الكروموسومات X - يُعد في جوهره إعادة توظيف تطورية هائلة لنظام أمني قديم.

وتحمل هذه النتائج آثاراً عميقة على صحة الإنسان. ففي البشر، ترتبط العناصر القابلة للنقل غير الخاضعة للرقابة ارتباطاً وثيقاً بالتدهور الخلوي المرتبط بالشيخوخة، والطفرات الشديدة، والعديد من الأمراض الوراثية. ومن خلال إثبات أن التباين اللاجيني يمكن أن ينتقل عبر الأجيال في الحيوانات التي تفتقر إلى إعادة الضبط عند الإخصاب، أصبح لدى العلماء الآن نموذج أوضح لكيفية توليد "المادة الخام" للتغيير التطوري.

ويشير هذا إلى أن بعض السمات الموروثة، أو حتى الاستعداد للإصابة بأمراض معينة، قد لا تكون مشفرة في تسلسل الحمض النووي الخاص بنا على الإطلاق. بل قد تكون مجرد أصداء لمعارك لاجينية قديمة، مما يفتح آفاقاً جديدة للبحث في كيفية ترك الضغوط البيئية بصمات عابرة للأجيال على الجينوم البشري.

هل أعجبك هذا المقال؟
Advertisement

عمليات البحث الشائعة