محتويات المقال
عصر الأسرة الخامسة: إنجازات الملكين أوسر كاف وساحورع
شهدت مصر القديمة خلال عصر الأسرة الخامسة تحولات معمارية وسياسية هامة، حيث انتقل التركيز من بناء الأهرامات الضخمة إلى تشييد معابد الشمس الفخمة وتوسيع العلاقات التجارية والعسكرية. ويبرز في هذه الحقبة اسمان لامعان هما المؤسس "أوسر كاف" والملك القوي "ساحورع".
أولاً: الملك أوسر كاف.. مؤسس الأسرة الخامسة
تُشير السجلات التاريخية، وعلى رأسها "حجر بالرمو"، إلى النشاط المعماري والديني المكثف للملك أوسر كاف. فقد شيد معابد في مختلف أرجاء مصر، أبرزها معبد في "بوتو" بالدلتا خصص لعبادة الإلهة "حاتحور"، كما أوقف مساحات من الأراضي لخدمة معبد الإله "رع".
الآثار والأوقاف في عهده
-
مقابر طهنا الجبل (المنيا): عُثر على اسم الملك في مقبرة الكاهن "ني كا عنخ"، كاهن الإلهة حاتحور. وقد أوكل الملك لهذا الكاهن مهمة الإشراف على أوقاف شخص يُدعى "خنوكا"، والتي بلغت مساحتها 120 "ستاتاً" (الستات يعادل 2-3 أفدنة تقريباً). وقد ترك الكاهن وصية مسجلة على جدران قبره بتقسيم هذه المنح الملكية بين أفراد عائلته مقابل التزامهم بخدمة معبد حاتحور في مدينة القوصية (محافظة أسيوط)، رغم أنه دُفن بالقرب من بلدته الأصلية في طهنا.
-
الهرم ومعبد الشمس: بنى أوسر كاف هرمه في منطقة سقارة، حيث عُثر في معبده على رأس ضخم من الجرانيت للملك. كما تشير المصادر إلى أنه أول من شيد "معبداً للشمس" في منطقة أبو صير.
-
اكتشافات المعهد السويسري: في عام 1957، عثرت بعثة المعهد السويسري أثناء حفائرها في المعبد المرجح أنه لأوسر كاف، على رأس تمثال من حجر الشست عالي الإتقان يمثل ملكاً يرتدي التاج. ورغم الدمار الكبير الذي لحق بالمعبد وغياب النقوش المؤكدة، إلا أن الدلائل تشير بقوة لنسبته إلى أوسر كاف.
ثانياً: الملك ساحورع (2539 2553 ق.م)
تولى "ساحورع" العرش بعد حكم أوسر كاف الذي استمر 7 سنوات، ليمتد حكم ساحورع قرابة 14 عاماً. يُعد ساحورع من أوائل ملوك الأسرة الخامسة الذين اتخذوا من هضبة "أبو صير" مقراً لأهرامهم، وتبعه في ذلك خلفاؤه (نفر إر كارع، شيسسكارع، نفرف رع، وني وسررع).
العمارة والهندسة في عهد ساحورع
تميز عهد ساحورع بتحول في الفكر المعماري؛ فبينما كان هرمه أصغر حجماً وأقل فخامة مقارنة بأهرامات الأسرة الرابعة، صب اهتمامه الكامل على تشييد معبد جنائزي فخم:
-
الأعمدة والتيجان: استُخدمت في بناء المعبد أثمن المواد، وزينت قاعاته بأعمدة من الجرانيت ذات تيجان نخلية (على شكل حزمة من جريد النخل).
-
نظام الصرف المتطور: ابتكر مهندسو ساحورع نظاماً هندسياً دقيقاً لتصريف مياه الأمطار والمياه المستخدمة داخل المعبد، اعتمد على:
-
مزاريب على هيئة رؤوس أسود تقذف مياه الأمطار إلى قنوات أرضية.
-
شبكة مواسير تحت الأرض مصنوعة من النحاس وملحومة بالرصاص لتصريف المياه الداخلية إلى مناطق منخفضة بعيدة.
-
التوسع العسكري والعلاقات الخارجية
لم يقتصر نشاط ساحورع على البناء، بل شهدت مصر في عهده انفتاحاً تجارياً وحملات تأمين للحدود:
-
تأمين الحدود الغربية: تصدى ساحورع لقبائل ليبية حاولت غزو الدلتا والاستقرار في وادي النيل، وتمكن من هزيمتهم، وخلدت نقوش معبده هذا الانتصار.
-
الأسطول الفينيقي: أرسل أسطولاً بحرياً إلى سواحل فينيقيا، وتشير النقوش التي تصور عودة الأسطول واستقبال الملك له إلى أن الرحلة ربما كانت ودية أو دبلوماسية (وربما عادت بأميرة أجنبية لتكون زوجة للملك).
-
الحملات الجنوبية: أرسل حملة إلى النوبة (توجد نقوش باسمه عند توماس)، وحملة تجارية كبرى إلى "بلاد بونت" (المنطقة المحيطة بمضيق باب المندب).
-
التجارة: عادت بعثاته محملة بالبخور، الذهب، وأخشاب الأبنوس والأعواد النادرة.
الخلاصة
مثّل عهد هؤلاء الملوك صفحة جديدة في تاريخ مصر القديمة، حيث خرجت البلاد من عزلتها، ومدت بصرها نحو الجنوب والشرق، وأعادت تنشيط أسطولها في البحر المتوسط، مؤمنة حدودها ومؤسسة لصلات تجارية واسعة النطاق براً وبحراً.