اصطدمت طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي بجدار مادي صلب: شبكة الكهرباء. وإدراكاً منهما بأن القدرة الحاسوبية مقيدة بشكل أساسي بتوفر الطاقة، أجرى ليونهارد سونكي وباتريس بيكر تحولاً جذرياً، حيث تركا قطاع اقتصاد صناعة المحتوى لإطلاق شركة ناشئة لطاقة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. نجحت مشروعهما الجديد، شركة Transformative American Resources (TAR)، مؤخراً في تأمين جولة تمويلية تأسيسية بقيمة 27 مليون دولار من مستثمر استراتيجي لم يُكشف عن هويته، لتنطلق الشركة بتقييم سوقي ضخم بلغ 500 مليون دولار. يُبرز هذا التحول تغيراً حاسماً في صناعة التقنية، حيث انتقلت المشاكل الأكثر إلحاحاً من قابلية التوسع في البرمجيات إلى البنية التحتية المادية الثقيلة.
وضع سونكي وبيكر بصمتهما الأولى في عام 2021 بتأسيس شركة Throne، وهي شركة ناشئة ناجحة للغاية في اقتصاد صناعة المحتوى أتاحت للمؤثرين إنشاء قوائم أمنيات لمتابعيهم. على مر السنين، عقدت شركة Throne شراكات مع كبار الموردين وعملت عن كثب مع شركة Amazon، لتنمو وتصبح مؤسسة كبيرة ومستقرة. ومع ذلك، مع نضوج اقتصاد صناعة المحتوى وازدحامه الشديد، شعر المؤسسان برغبة في معالجة تحدٍ أكثر جوهرية. لقد أدركا أن التحركات التدريجية داخل المنصات الاجتماعية تبدو ضئيلة مقارنة بالاختناقات الهائلة التي تظهر في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
لتنفيذ هذا التحول، شرع المؤسسان في عملية تسليم مدروسة استمرت ستة أشهر، حيث نقلا العمليات اليومية لشركة Throne إلى أعضاء فريق موثوقين يعملون معهما منذ فترة طويلة. ورغم أن سونكي يعترف بأن التخلي عن نجاحه الكبير الأول كان أمراً صعباً لشخص يصف نفسه بأنه مهووس بالسيطرة، إلا أن هذه الخطوة سمحت للثنائي بالانتقال من مدينة نيويورك إلى مدينة سان فرانسيسكو. هناك، أمضيا وقتاً طويلاً مع مختبرات الذكاء الاصطناعي وكبار مزودي خدمات الحوسبة لتحديد نقاط الاحتكاك في الصناعة بدقة، مما قادهما في النهاية إلى قطاع الطاقة.
حل معضلة وقت توليد الرموز (Time-to-Token)
تتمثل المهمة الأساسية لهذه الشركة الناشئة في تقليل ما تطلق عليه الصناعة اسم وقت توليد الرموز (Time-to-token) بشكل جذري، وهو المدة التي يستغرقها تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي والبدء في توليد المخرجات. مع تزايد تطور نماذج الذكاء الاصطناعي واندماجها العميق في المجتمع، أصبح الطلب على الرقائق المتخصصة والطاقة اللازمة لتشغيلها أزمة حادة. ببساطة، لا يمكن للبنية التحتية التقليدية للشبكة مواكبة سرعة النشر التي تتطلبها مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الحديثة، مما يجبر الشركات على البحث عن حلول طاقة بديلة ولامركزية.
تعالج شركة TAR هذه المشكلة من خلال بناء أنظمة طاقة معيارية وقابلة للتطوير تعمل خلف العداد (Behind-the-meter). بدلاً من الانتظار لسنوات للحصول على موافقات الربط بالشبكة، تنشر شركة TAR وحدات توليد الطاقة محلياً في موقع مركز البيانات مباشرة. تستخدم هذه الأنظمة مزيجاً عملياً من مصادر التوليد، يتكون أساساً من الطاقة الشمسية، وتخزين البطاريات، وطاقة الرياح، والغاز الطبيعي. لا تحاول الشركة الناشئة اختراع مصدر طاقة جديد يعتمد على فيزياء غير مألوفة؛ بل يكمن ابتكارها في النشر السريع ودمج التقنيات الحالية لتجاوز تأخيرات الشبكة.
وأوضح سونكي قائلاً: "نحن نركز على ابتكار طريقة لنشر هذه التقنيات الحالية بشكل أسرع"، مشيراً إلى أن طلب السوق على حلول الطاقة يعكس الطلب المبكر والمكثف الذي شهدوه عند إطلاق تطبيق Throne. من خلال الجمع بين المصادر المتجددة وموثوقية الغاز الطبيعي وتخزين البطاريات، تهدف شركة TAR إلى توفير طاقة مستمرة وعالية الكثافة تتطلبها أعباء عمل تدريب الذكاء الاصطناعي والاستدلال (Inference).
واقع الإنفاق الرأسمالي في بناء مراكز البيانات
يتطلب الانتقال من نموذج البرمجيات كخدمة إلى البنية التحتية المادية للطاقة تحولاً جذرياً في العمليات التجارية. إن بناء شركة ناشئة لطاقة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يُعد عملية كثيفة الإنفاق الرأسمالي (Capex-intensive) مقارنة بكتابة الأكواد البرمجية. يتعامل المؤسسان الآن مع شراء المعدات الثقيلة، وبناء المستودعات، وعقود تطوير الأراضي المعقدة. دفع هذا الواقع شركة TAR إلى توسيع نطاق وجودها خارج مركزها الهندسي في مدينة سان فرانسيسكو، حيث افتتحت مؤخراً عملياتها في مدينة أوستن بولاية تكساس، في خطوة استراتيجية للاقتراب من مركز تطوير الطاقة ومراكز البيانات الأمريكية.
الاختلاف الأكبر هو العمل مع لاعبين تقليديين في قطاع الطاقة. من الواضح أنك تأتي من عالم مختلف قليلاً إذا كنت تعمل في مجال البرمجيات وتجلس فقط في مكتبك في نيويورك أو سان فرانسيسكو.
- ليونهارد سونكي، شركة TAR
يتطلب هذا التحول أيضاً نوعاً جديداً من التعاطف لدى المؤسسين. في عالم البرمجيات، غالباً ما يتضمن بحث المستخدمين اختبار أ/ب (A/B Testing) وحلقات التعليقات الرقمية. أما في قطاع الطاقة، فيتطلب الأمر التواجد في الموقع، وارتداء خوذات العمل، والتفاوض المباشر مع طواقم البناء، وشركات المرافق التقليدية، والمقاولين المحليين. وأكد سونكي أن فهم وجهات نظر هؤلاء الشركاء الجدد لا يقل أهمية عن فهم مستخدمي البرمجيات، مما يثبت أن مهارات حل المشكلات قابلة للنقل بشكل كبير عبر صناعات مختلفة تماماً.
علاوة البنية التحتية في تحقيق الدخل التقني
يشير التقييم السوقي للشركة البالغ 500 مليون دولار لشركة في المرحلة التأسيسية مثل TAR إلى تحول استراتيجي عميق في كيفية تحقيق رأس المال الجريء (Venture Capital) للأرباح من طفرة الذكاء الاصطناعي. يدرك المستثمرون أن تمويل نموذج لغوي كبير (LLM) أساسي آخر يحمل مخاطر عالية، لكن تمويل الطاقة المادية اللازمة لتشغيل تلك النماذج يُعد ضرورة مضمونة. لم يعد الاختناق خوارزمياً؛ بل أصبح كهربائياً بحتاً. من خلال التحول إلى الطاقة، يضع سونكي وبيكر نفسيهما في نقطة الاختناق الأكثر ربحية في ثورة الذكاء الاصطناعي.
يسلط هذا التحول الضوء أيضاً على الطبيعة المتغيرة للخنادق التقنية (Tech Moats). في اقتصاد صناعة المحتوى، تُبنى الخنادق على تأثيرات الشبكة وشراكات العلامات التجارية، والتي يمكن أن تكون هشة وعرضة لتغييرات خوارزمية المنصة. أما في مجال طاقة مراكز البيانات، فتُبنى الخنادق على حقوق الأراضي، وشراء المعدات الثقيلة، وتجاوز العقبات التنظيمية. هذه حواجز دخول كثيفة رأس المال وعالية الاحتكاك يتجنبها عادةً مؤسسو البرمجيات فقط.
في النهاية، يثبت التقييم المبكر الضخم لشركة TAR أن السوق مستعد لدفع علاوة هائلة مقابل سرعة التنفيذ في العالم المادي. إن تقليل وقت توليد الرموز (Time-to-token) ولو ببضعة أشهر يمكن أن يوفر لمختبرات الذكاء الاصطناعي ملايين الدولارات من القدرات الحاسوبية المتأخرة. مع استمرار سباق التسلح في مجال الذكاء الاصطناعي، لن تكون الشركات الناشئة الأكثر قيمة هي تلك التي تكتب أذكى الأكواد فحسب، بل تلك التي تصب الخرسانة وتمد كابلات الجهد العالي للحفاظ على تشغيل الخوادم.