Breaking News
القائمة
Advertisement

للمرة الأولى: رصد إشارة خفية تنبعث من المفاعلات النووية بعد إيقاف تشغيلها

للمرة الأولى: رصد إشارة خفية تنبعث من المفاعلات النووية بعد إيقاف تشغيلها

حتى بعد إيقاف تشغيل المفاعل النووي بفترة طويلة، يستمر وقوده المشع في إصدار إشارة خفية وشبحية تخترق الصخور الصلبة والدروع الواقية بكل سهولة. وللمرة الأولى، نجح العلماء في رصد هذا التدفق المتبقي من جسيمات النيوترينو المضاد (Antineutrinos) الصادرة عن مفاعلات متوقفة عن العمل، مما يفتح الباب أمام طريقة ثورية لمراقبة الوقود النووي المستنفد.

يُعد هذا التطور بالغ الأهمية لمفتشي الطاقة النووية ووكالات الأمن العالمي. ونظراً لأنه لا يمكن حجب جسيمات النيوترينو المضاد أو إخفاؤها بسهولة، فإنها توفر وسيلة لا يمكن تزويرها للتحقق من نشاط المفاعلات وتتبع المخزونات المشعة، حتى عندما تكون المنشأة مغلقة بالكامل.

اعتمدت الدراسة، التي نُشرت في دورية Physical Review Letters وقادها باحثون في معهد Max Planck للفيزياء النووية (MPIK)، على تجربة Double Chooz في شمال فرنسا. يقع الكاشف تحت الأرض، على بُعد حوالي 400 متر من قلبي المفاعل في محطة Chooz للطاقة النووية.

تتفاعل جسيمات النيوترينو المضاد مع المادة بنُدرة شديدة. ومع ذلك، عندما يحدث هذا التفاعل داخل كاشف Double-Chooz، يتولد إشارة ضوئية مزدوجة مميزة يمكن فصلها بوضوح عن إشارات الخلفية العشوائية.

- تييري لاسير، معهد Max Planck للفيزياء النووية

يحتوي الكاشف على أكثر من 30 متراً مكعباً من السائل الومّاض (Liquid Scintillator) لترقب هذه الجسيمات المراوغة. وعندما يتفاعل جسيم نيوترينو مضاد، فإنه ينتج بوزيتروناً يولد وميضاً ضوئياً فورياً، يتبعه وميض ثانٍ بعد فترة وجيزة ناتج عن التقاط نيوترون. يتيح هذا الوميض المزدوج المتقارب زمنياً للعلماء تصفية الأشعة الكونية والإشعاع الطبيعي.

اختراق علمي بموثوقية 5.9 سيجما

لعزل هذا "التوهج المتبقي" الخافت، حلل فريق البحث بيانات جُمعت لمدة 17.2 يوماً أثناء إيقاف تشغيل كلا مفاعلي محطة Chooz بالكامل. كانت النتائج مذهلة: سجل الكاشف 106 أحداث محتملة، مع هامش عدم يقين يبلغ 18 حدثاً.

وصل هذا الرصد إلى دلالة إحصائية تبلغ 5.9 سيجما، وهو مستوى يتجاوز بكثير المعيار الصارم المطلوب لإعلان اكتشاف جديد في فيزياء الجسيمات. وكانت عمليات المحاكاة الدقيقة للمفاعل قد توقعت 88 حدثاً مع هامش عدم يقين يبلغ 7 أحداث، مما يجعل البيانات المرصودة معياراً تجريبياً عالي الدقة.

وأوضح الدكتور أنتوني أونيلون أن "رصد الإشارة المتبقية الضئيلة بعد إيقاف التشغيل تطلب مستويات منخفضة استثنائياً من إشارات الخلفية وتقنيات تحليل دقيقة"، مشيراً إلى أن التجارب السابقة ركزت بشكل أساسي على المفاعلات العاملة حيث يكون التدفق أكبر بكثير.

حقبة جديدة لمنع الانتشار النووي

تمتد الآثار المترتبة على هذا القياس إلى ما هو أبعد من المنشأة الفرنسية. يمكن للكواشف المستقبلية استخدام هذه المنهجية الدقيقة للتحقق بشكل مستقل من حالة المفاعلات في جميع أنحاء العالم. وتشير النتائج الأولية من مشروع JUNO-TAO، التي عُرضت في مؤتمر Neutrino 2026، إلى أن الفِرق البحثية تحلل بالفعل بيانات المفاعلات المغلقة لعزل الانبعاثات الصادرة تحديداً عن الوقود المستنفد.

ومن المثير للاهتمام أن كاشف Double Chooz بُني في الأصل لدراسة تذبذبات النيوترينو. وقد ساعدت المنشأة سابقاً في قياس زاوية الخلط θ13، وهي قيمة أساسية لفهم الفروق بين المادة والمادة المضادة. والآن، رسخت التجربة إرثها بإثبات أن المفاعل المظلم لا يصمت أبداً.

البصمة التي لا يمكن تزويرها

يُغيّر النجاح في رصد إشارة نيوترينو مضاد بموثوقية 5.9 سيجما من مفاعل متوقف عن العمل قواعد اللعبة في مجال منع الانتشار النووي. تاريخياً، اعتمد المفتشون الدوليون على الكاميرات المادية، والأختام، والبصمات الحرارية لمراقبة تجميعات الوقود المستنفد في أحواض التبريد. وهي طرق تقليدية يمكن التلاعب بها أو حجبها من قِبل الدول غير المتعاونة.

لكن جسيمات النيوترينو المضاد تقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. نظراً لأن هذه الجسيمات تمر عبر الدروع والصخور دون ترك أثر مادي، لا يمكن لأي دولة مارقة إخفاء مخزون سري من الوقود النووي المستنفد بمجرد إطفاء الأنوار وإغلاق الأبواب. سيستمر التحلل الإشعاعي في بث وجوده لأي كاشف قريب يتمتع بحساسية كافية.

ومع دخول الجيل القادم من الكواشف مثل JUNO-TAO إلى الخدمة، يوفر هذا المعيار التجريبي من Double Chooz الأساس الرياضي الدقيق المطلوب لبناء شبكات مراقبة عن بُعد. في المستقبل القريب، قد لا يتطلب التحقق من الامتثال للمعاهدات النووية الدولية وجود مفتشين على الأرض، بل مجرد سائل ومّاض يستمع إلى همسات الذرات المتحللة.

هل أعجبك هذا المقال؟
Advertisement

عمليات البحث الشائعة