محتويات المقال
تفرض القواعد الحكومية الصارمة في بريطانيا تحولاً جذرياً في سوق السيارات، حيث يُلزم المصنعون بالوصول إلى نسبة 80% من مبيعات السيارات الكهربائية بحلول عام 2030. هذا التوجه المتسارع يخلق ضغوطاً مالية هائلة على وكلاء وشركات صناعة السيارات التقليدية، مما يمهد الطريق أمام المنافسين الصينيين للسيطرة على المشهد. وفي ظل ركود مبيعات السيارات بشكل عام، فإن هذا التحول السريع يهدد بوقوع خسائر فادحة للعلامات التجارية الغربية.
وتواجه أهداف المركبات عديمة الانبعاثات (ZEV) تحديات حقيقية بسبب ضعف الطلب الأساسي من المشترين الأفراد. ورغم أن الهدف المحدد لهذا العام يبلغ 33%، إلا أن الحصة السوقية الفعلية للسيارات الكهربائية بلغت 22.6% فقط في شهر مارس الماضي. ووفقاً لجمعية مصنعي وتجار السيارات (Society of Motor Manufacturers and Traders)، كبدت هذه السياسات القطاع أكثر من 10 مليارات جنيه إسترليني (13.5 مليار دولار) على شكل حوافز خلال العامين الماضيين.
التفوق الصيني واختلال تسعير السوق
في ظل معاناة الشركات الأوروبية والأمريكية واليابانية من هذه اللوائح، تبدو الشركات الصينية في طريقها لتكون الفائز الأكبر. وبحسب شركة الاستشارات الفرنسية Inovev، بلغت حصة السيارات الكهربائية الصينية في أوروبا أكثر من 10% في العام الماضي، ومن المتوقع أن ترتفع لتتراوح بين 18% و 25% بحلول عام 2030. وفي محاولة للاستفادة من هذا الزخم، قد تستخدم الحكومة البريطانية نفوذها لإقناع علامة MG التابعة لشركة SAIC ببناء مصنعها الأوروبي المقترح داخل بريطانيا.
ولتحقيق حصص المبيعات الإلزامية للسيارات الكهربائية التي لا تحقق أرباحاً كافية، تضطر الشركات المصنعة إلى رفع أسعار سيارات محركات الاحتراق الداخلي (ICE) عالية الربحية لتقليل مبيعاتها. هذا الخلل المتعمد في التسعير يُعد وصفة لكارثة مالية للشركات التقليدية، وانتصاراً استراتيجياً للمصنعين الصينيين الذين يقدمون بدائل بأسعار تنافسية.
شطب أصول بمليارات الدولارات وتراجع الأرباح
أدت التراجعات المكلفة عن أهداف السيارات الكهربائية المفرطة في الطموح إلى قيام شركات صناعة السيارات العالمية بتنفيذ عمليات شطب أصول تقارب قيمتها 65 مليار دولار. وتضمنت هذه الخسائر ضربة بقيمة 26 مليار دولار لشركة Stellantis، إلى جانب خسائر أصغر لشركتي General Motors و Ford. وفي أوروبا، سجلت شركة Volkswagen شطباً كبيراً، بينما أصدرت شركتا Mercedes و BMW تحذيرات بشأن الأرباح المرتبطة بالسيارات الكهربائية.
وأشار يوهانس ترينكا (Johannes Trenka)، من شركة Accenture، إلى أن التحول الكهربائي يضغط على الربحية من عدة اتجاهات، حيث يقلل من دخل خدمات ما بعد البيع ويكثف المنافسة السعرية. من جانبه، أوضح بيدرو باتشيكو (Pedro Pacheco)، من مؤسسة Gartner Group، أن الشركات التقليدية فشلت في الاستثمار المبكر لجعل سياراتها جذابة للجمهور، وقامت بإلغاء مشاريع واعدة مبكراً، مما أدى إلى شطب مليارات الدولارات في الربع الأول من عام 2026.
معارضة الصناعة واستراتيجيات البقاء
يرى الخبراء أن الأهداف المرحلية في بريطانيا، والتي تتطلب حصة 38% في عام 2027 و 52% في عام 2028، تقترب من كونها قاسية للغاية. ووصف آندي ماير (Andy Mayer)، من معهد الشؤون الاقتصادية (Institute of Economic Affairs)، سياسة ZEV بأنها نتيجة لتخطيط مركزي يتجاهل تحديات الشركات الفردية وطلب العملاء الفعلي.
وفي محاولة للبقاء في هذا السوق المليء بالتحديات، تبنت الشركات استراتيجيات متنوعة لمواجهة الهجوم الصيني الذي تقوده شركة Geely وعلامات BYD و Chery:
- بدأت شركة Volkswagen بتوسيع نطاق سياراتها الكهربائية لتشمل فئات بأسعار معقولة عبر علامتي Skoda و SEAT/Cupra.
- تعاونت مجموعة Stellantis مع شركة Leapmotor الصينية لاستغلال تقنياتها ومواكبة المنافسة.
- عقدت شركة Ford شراكة مع شركة Renault لإنتاج سيارات كهربائية أرخص بحلول عام 2028.
إعادة هيكلة قسرية لصناعة السيارات في أوروبا
تكشف الأرقام عن أزمة هيكلية عميقة؛ فالسوق في أوروبا الغربية عالق عند معدل مبيعات سنوي يقل قليلاً عن 12 مليون سيارة وفقاً لبيانات GlobalData، وهو بعيد كل البعد عن ذروة ما قبل الوباء البالغة 15.8 مليون سيارة. هذا الركود، مقترناً بالحصص الإلزامية الصارمة، يخلق بيئة لا يمكن أن ينجو فيها سوى اللاعبين الأكثر كفاءة مالياً.
إذا استمرت بريطانيا في تطبيق قواعد ZEV دون تعديل، فإنها تخاطر بتدمير هوامش ربح الشركات التقليدية التي تضطر لدعم مبيعات السيارات الكهربائية الخاسرة بأرباح سيارات الوقود. وفي غياب طلب استهلاكي حقيقي، ستكون النتيجة الحتمية هي تسليم حصة سوقية ضخمة للشركات الصينية التي تمتلك بالفعل ميزة التكلفة وسلاسل التوريد المتكاملة، مما يجعل سقوط بعض الشركات الغربية أمراً شبه مؤكد بحلول عام 2030.