لعقود طويلة، هيمنت مجموعة صغيرة من مزودي البرمجيات التقليدية على القطاع المصرفي، مما ترك المؤسسات المالية مقيدة ببنية تحتية متقادمة. والآن، يطلق رائد الأعمال المتسلسل في مجال التقنية المالية Randy Fernando شركته الناشئة الجديدة Maximum، متسلحاً بجولة تمويلية تأسيسية بقيمة 30 مليون دولار بقيادة صندوق CRV. وتهدف الشركة إلى استبدال هذه الأنظمة القديمة بنظام تشغيل مبني أساساً على الذكاء الاصطناعي، بدلاً من مجرد إضافة طبقة ذكية فوق البنية التحتية المتهالكة.
يُعد التحدي الذي يواجه شركة Maximum هائلاً، نظراً للتجذر العميق لمزودي الأنظمة الأساسية الحاليين. فبحسب استطلاع حديث أجرته جمعية المصرفيين الأمريكيين (ABA) شمل 679 بنكاً، يعتمد 76% منها على واحدة من الشركات الثلاث الكبرى: Fiserv، وJack Henry، وFIS. وتستحوذ شركة Fiserv وحدها على عقود الأنظمة الأساسية بنسبة 42% من البنوك المشاركة. علاوة على ذلك، يبدو ولاء البنوك - أو ربما جمودها - مرتفعاً للغاية، حيث أفاد 68% من البنوك بأنهم يتعاملون مع مزودهم الحالي منذ 10 سنوات أو أكثر، بينما صرح 69% بأنهم سيبقون مع مزودهم حتى لو لم يكونوا راضين تماماً عن خدماته.
بناء نظام تشغيل متكامل وليس مجرد نظام أساسي
في الوقت الذي تسارع فيه الشركات الكبرى مثل Fiserv وFIS وJack Henry (التي عقدت مؤخراً شراكة مع Google AI للأمن السيبراني) لدمج وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents) في أنظمتها الحالية، تتخذ شركة Maximum نهجاً جذرياً. يتصور Fernando منصة تتيح للبنوك بناء وكلاء ذكاء اصطناعي مخصصين داخلياً لأداء مهام فريدة. وأوضح Fernando: "نحن نطلق عليه نظام تشغيل (Operating System) وليس نظاماً أساسياً (Core) لأننا نقدم أكثر مما توفره خدمات الأنظمة المصرفية التقليدية"، مشيراً إلى أن النظام يتيح تقديم منتجات ديناميكية ومخصصة للعملاء.
من التطبيقات العملية التي تطورها شركة Maximum هو وكيل تقرير الأنشطة المشبوهة (SAR). تقوم هذه الأداة بمسح قائمة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة كل ليلة، ومطابقتها مع جميع معاملات البنك اليومية. وفي حال العثور على تطابق، يرسل الوكيل تنبيهاً فورياً لمسؤول الامتثال مع توصية بكيفية التعامل مع الحالة. يقلص هذا الإجراء عملية يدوية كانت تستغرق ساعات أو أياماً إلى ثوانٍ معدودة، مع إبقاء "العنصر البشري" في حلقة اتخاذ القرار النهائي.
لا تقف شركة Maximum وحدها في سباق أتمتة الامتثال والعمليات المصرفية. فمزودو البرمجيات الآخرون مثل Backbase وnCino وMambu يدمجون وكلاء الذكاء الاصطناعي في عروضهم. وفي الوقت نفسه، تقدم مجموعة كبيرة من شركات التقنية - بما في ذلك Oracle وNasdaq Verafin وComplyAdvantage وWorkFusion وCastellum AI وFenergo وFinzly - وكلاء ذكاء اصطناعي مخصصين للامتثال لمكافحة غسيل الأموال (AML) وفحص قوائم OFAC.
سجل حافل في قطاع التقنية المالية
تُعد شركة Maximum المشروع الكبير الثالث لـ Fernando في مجال التقنية المصرفية. فقد استحوذت منصة الاستثمار Acorns على شركته الأولى Vault، وهي منصة استثمار آلي للتقاعد، في عام 2017 بمبلغ لم يُكشف عنه. بعد ذلك، أسس شركة Power Finance، وهي جهة إصدار بطاقات سحابية حققت تخارجاً ضخماً في عام 2023 عندما اشترتها شركة Marqueta مقابل 275 مليون دولار نقداً و25 مليون دولار كأسهم.
بعد الاستحواذ، شغل Fernando منصب نائب رئيس منتجات الائتمان في شركة Marqueta لمدة عامين قبل أن يتنحى لتأسيس شركة Maximum. ويقر بأن إزاحة الأنظمة المصرفية التقليدية ستكون معركة تستمر لعقد من الزمان، لكنه يشير إلى أن الشركات المصرفية الحديثة أمضت السنوات الخمس أو الست الماضية في تفكيك أجزاء من حزمة الأنظمة المصرفية الأساسية بنجاح.
القيمة تتراكم في المستويات العليا من البرمجيات. تاريخياً، قدمت الشركات التقليدية خدماتها للعملاء كنظام أساسي لتسجيل البيانات. لكن العملاء يطالبون الآن بأن تتجاوز البرمجيات دورها كنظام تسجيل، لتقوم بالعمل الفعلي كنظام تنفيذي.
- Tom Seo، مؤسس شركة Inverted Capital
الجدار التنظيمي أمام الأنظمة المصرفية الذكية
لن يكون العائق الحقيقي أمام نجاح شركة Maximum هو قدراتها التقنية، بل البيئة التنظيمية الصارمة التي تحكم السجلات المالية. تعمل الأنظمة المصرفية الأساسية الحالية وفق منطق حتمي (Deterministic Logic) - إذا حدث (س)، فإن النتيجة المضمونة هي (ص). هذه القدرة على التنبؤ هي بالضبط ما يطلبه المشرعون لتدقيق المعاملات وضمان الامتثال. في المقابل، تعتمد محركات الاستدلال القائمة على الذكاء الاصطناعي على منطق احتمالي (Probabilistic Logic)، مما يثير مخاوف تنظيمية شديدة عند اقترابها من الميزانية العمومية للبنك.
إذا قام نظام أساسي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بتنفيذ معاملة ما، يجب أن يكون البنك قادراً على شرح سبب حدوثها بدقة. وكما أشار JT Thykattil من مؤسسة Forrester Research، فإن النظام الذكي الحقيقي يتعلم باستمرار من النتائج، مثل رفض قرض أو إطلاق إنذار احتيال خاطئ. ورغم أن هذا يخلق كفاءة تشغيلية في مجالات مثل الاكتتاب الائتماني للمستهلكين ذوي السجلات الائتمانية المحدودة أو معالجة مستندات القروض، فإنه يجعل النظام الأساسي هدفاً متحركاً يصعب على المدققين تتبعه.
لكي تتمكن شركة Maximum من اقتطاع حصة سوقية ملموسة من الشركات الثلاث الكبرى، يجب عليها إثبات أن "نظامها التنفيذي" يمكنه العمل باليقين المطلق والصارم الذي يتميز به السجل المالي التقليدي. وإلى أن يطمئن المشرعون للمنطق الاحتمالي في التعامل مع الودائع الأساسية، قد يكون المسار الأكثر جدوى لشركة Maximum هو العمل كطبقة تنسيق متقدمة للغاية للبنوك متوسطة الحجم، بدلاً من أن تكون بديلاً كاملاً للسجل المالي الأساسي.