Breaking News
القائمة
Advertisement

الشبح في الآلة: رصد مضادات النيوترينو داخل مفاعلات نووية متوقفة عن العمل

الشبح في الآلة: رصد مضادات النيوترينو داخل مفاعلات نووية متوقفة عن العمل

لأول مرة، نجح علماء الفيزياء في رصد "الجسيمات الشبحية" المنبعثة من مفاعلات نووية متوقفة عن العمل (shut-down nuclear reactors)، مما يفتح الباب أمام أساليب ثورية للمراقبة النووية غير التدخلية. من خلال قياس التدفق المتبقي لمضادات النيوترينو من القلوب الخاملة، أصبح بإمكان الباحثين تتبع التحلل الإشعاعي والوقود المستنفد دون الحاجة إلى دخول وعاء الاحتواء. هذا الاختراق، الذي حققه تحالف Double Chooz بقيادة معهد Max Planck للفيزياء النووية (MPIK)، يثبت عملياً انبعاثات نظرية لم يسبق قياسها على أرض الواقع.

تُعد النيوترينوات ونظائرها من المادة المضادة، المعروفة باسم مضادات النيوترينو (Antineutrinos)، من الجسيمات التي يصعب دراستها للغاية. ونظراً لافتقارها إلى الشحنة الكهربائية وامتلاكها كتلة شبه معدومة، فإنها نادراً ما تتفاعل مع المادة العادية. ومع ذلك، تُنتج هذه الجسيمات الشبحية بكميات هائلة أثناء الانشطار النووي (Nuclear Fission). وفي حين تمكنت التجارب السابقة من تتبع التدفق الهائل من محطات الطاقة النشطة بسهولة، فإن التقاط الإشارة الخافتة من منشأة خاملة كان يمثل عقبة تقنية هائلة.

تتبع توهج مفاعلات نووية متوقفة عن العمل

اعتمدت تجربة Double Chooz، التي استمرت من عام 2011 إلى 2017 في شمال فرنسا، على كاشفين تحت الأرض يقعان على مسافة 400 متر و1050 متراً من محطة Chooz للطاقة النووية. كان الهدف الأساسي هو مراقبة كيف تغير هذه الجسيمات "نكهتها" أثناء انتقالها، وهي ظاهرة كمومية تُعرف باسم التذبذب. ومع ذلك، أدرك الفريق أيضاً إمكانية استخدام الكواشف لمراقبة المفاعلات حتى بعد توقف عملية الانشطار.

وأوضح أنتوني أونيلون، عالم الفيزياء في معهد Max Planck والباحث المشارك في الدراسة، أن تجارب مضادات النيوترينو في المفاعلات ركزت حتى الآن بشكل أساسي على المفاعلات العاملة، حيث يكون التدفق أكبر بكثير. وأشار إلى أن رصد الإشارة المتبقية الضئيلة بعد الإغلاق تطلب "مستويات منخفضة استثنائياً من إشعاع الخلفية وتقنيات تحليل دقيقة" طورها التحالف على مدار عدة سنوات.

لا تتفاعل مضادات النيوترينو مع المادة إلا في حالات نادرة للغاية. ولكن عندما يحدث هذا التفاعل داخل كاشف Double Chooz، ينتج إشارة ضوئية مزدوجة مميزة يمكن فصلها بوضوح عن أحداث الخلفية الإشعاعية.

- تييري لاسير، معهد Max Planck للفيزياء النووية

نظراً لأن علماء الفيزياء لا يمكنهم رؤية مضادات النيوترينو بشكل مباشر، فإنهم يعتمدون على تفاعل محدد يُعرف باسم اضمحلال بيتا العكسي (Inverse Beta-Decay). عندما يمر مضاد النيوترينو عبر الغرفة الداخلية للكاشف، فإنه يصطدم أحياناً ببروتون داخل ومّاض سائل (Liquid Scintillator) مخصص. يؤدي هذا الاصطدام إلى سلسلة تفاعلات دقيقة للغاية تعمل بمثابة مصادقة ثنائية لوجود الجسيم:

  • أولاً، يولد الاصطدام نيوتروناً وبوزيتروناً. يتلاشى البوزيترون على الفور مع إلكترون قريب، مما يخلق وميضاً ضوئياً أولياً.
  • ثانياً، يتم التقاط النيوترون المتولد حديثاً بواسطة عنصر الجادولينيوم (Gadolinium)، وهو معدن أرضي نادر ممزوج في الومّاض، مما ينتج وميضاً ضوئياً ثانوياً متأخراً.

التداعيات الجيوسياسية للجسيمات الشبحية

خلال فترة مراقبة استمرت 17.2 يوماً، حيث تم إيقاف تشغيل كلا قلبي مفاعل Chooz تماماً، سجل فريق البحث فائضاً في هذه التوقيعات الضوئية المحددة. لقد قاسوا 106 ±18 حدثاً، وهو ما يتوافق تماماً مع التوقع النظري البالغ 88 ±7 أحداث. ولوضع حساسية هذا الإنجاز في منظوره الصحيح، يمثل هذا الانبعاث المتبقي أقل من 1% من تدفق مضادات النيوترينو المتولد عندما يكون المفاعل قيد التشغيل الكامل.

ورغم أن الإصدار الحالي من هذه التقنية حساس بشكل أساسي للتغيرات واسعة النطاق في التدفق، مما يعني أنه قد لا يكتشف على الفور ما إذا تم إزالة مجموعة صغيرة من الوقود المستنفد سراً، إلا أنه يمثل دليلاً حاسماً على المفهوم. وتضع هذه النتائج، التي نُشرت في دورية Physical Review Letters، الأساس لتطوير الجيل القادم من الكواشف.

الأداة المطلقة لمنع الانتشار النووي

إن القدرة على مراقبة مفاعلات نووية متوقفة عن العمل من مسافة مئات الأمتار تُغير جذرياً مشهد الضمانات النووية العالمية. تعتمد الوكالات الدولية مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) حالياً على عمليات التفتيش المادي، وكاميرات المراقبة، والجرد الميداني لضمان عدم قيام الدول المارقة بتحويل الوقود النووي المستنفد لاستخراج البلوتونيوم لبرامج الأسلحة. ويمكن للحكومات غير المتعاونة عرقلة هذه الأساليب التقليدية أو تأخيرها أو التلاعب بها بسهولة.

يلغي رصد مضادات النيوترينو الحاجة إلى الوصول المادي. ونظراً لأن هذه الجسيمات الشبحية تمر بسهولة عبر الخرسانة والفولاذ والأرض، يمكن نظرياً دفن محطة مراقبة خارج محيط المنشأة، مما يوفر تدفقاً حياً ومحصناً ضد الاختراق لتركيبة قلب المفاعل وحالته التشغيلية. ومع تطور تكنولوجيا الكواشف وزيادة حساسيتها، سيجعل هذا "التوهج الشبحي" من المستحيل علمياً إخفاء أي نشاط نووي غير مشروع، ليتحول هذا السلوك الكمومي الغريب إلى جهاز كشف الكذب الجيوسياسي المطلق.

هل أعجبك هذا المقال؟
Advertisement

عمليات البحث الشائعة